بقلم : مصطفي الفقي
الصوفية هى طرح روحى يشد صاحبه إلى الاستغراق فى فهم ذات الله والإحساس الدائم بدرجة عالية من الشفافية وهى حالة خاصة تنبع من الوجدان مزيجًا من العقل والقلب، وإذا قارنّا الصوفية الإسلامية بالرهبنة المسيحية فسوف نجد بينهما قواسم مشتركة عديدة ولكن لا توجد حقائق ثابتة تجمع بينهما، وإذا كانت مصر هى التى أنتجت المفهوم التاريخى للرهبنة المسيحية فهى أيضًا التى حددت ملامح التصوف منذ مطلع القرن الأول الهجرى، ولقد سبقت الصوفية الإسلامية فى مصر غيرها بعدة قرون.
والذين يرون فى جلال الدين الرومى قطبًا صوفيًا إنما تتقاطع أفكارهم فى ذات الوقت مع عشرات الأسماء من أقطاب التصوف ودعاة الالتصاق بذات الله والاستغراق فى دراسة التعلق بالذات الإلهية والذوبان فى روحانية متصلة لا تنقطع مما جعل الصوفية مزيجًا فكريًا وتوهجًا روحيًا يبتعد كثيرًا عن السياسة ويتركها لولاة الأمر، فالصوفى متوحد بصحيح الدين متعلق بأواصر المحبة مع الخالق سبحانه وتعالى، ولقد لعبت الحركات الصوفية فى مصر دورًا داعمًا لشرعية الحكم ولم تقف أبدًا فى معسكر الثوار والمعارضة بل كانت أقرب إلى دوائر الإصلاحيين وكان من مظاهرها البارزة عشرات أو مئات من الطرق الفرعية وأصحاب النزعات التى كانت عنوانًا للوجد الصوفى والاستغراق الروحانى والالتصاق بذات الخالق سبحانه وتعالى، وما من قرية أو مدينة فى مصر إلا وفيها قطب صوفى أو أكثر يأنس إليه الناس ويتبارك به الجميع لأنه يعتنق فلسفة لا تسعى إلى منافع الأرض ولكنها تتطلع إلى رضا السماء، وشهر رمضان فى كل عام يكون ولو بشكل غير مباشر تجديدًا تلقائيًا لروح التصوف والاعتكاف والتفرغ لذكر الله وإعلاء كلمة الدين الصحيح فى ضمير تابعيه والمؤمنين به.
بل إننى أزعم أن كل الحركات الدينية ذات الأبعاد السياسية قد اصطدمت فى بعض مراحلها بالوهج الصوفى الذى يسعى إلى تنقية الأفكار الدينية والفلسفة الإسلامية من كل الشوائب التى لحقت بها أو طرأت عليها، وليس من شك فى أن التصوف ليس مجرد حركة روحية أو يقينًا وجدانيًا لدى أصحابه ولكنه يتجاوز ذلك إلى العلاقة بالخالق دون وسطاء تقربًا لله سبحانه وإيمانًا بنقاء الدعوة والبعد عن الأساليب الملتوية، والصوفية لا تفرق بين المذاهب الدينية ولا الطرق الدعوية ولكنها فى النهاية نزوح إلى ذات الله واقتراب منها والتعبد إلى الله بدون جلبة سياسية أو ضوضاء اجتماعية، ولقد دعمت الحركات الصوفية فى تاريخ مصر كافة التوجهات الإصلاحية التى جرت فى القرون الأخيرة وعبرت بحق عن تطلع المصرى العادى إلى النسيج الصوفى الذى احتضنته مصر عبر تاريخها منذ مطلع القرن الأول الهجرى فحافظت عليه ومضت به نحو بساطة الإسلام وشفافية الدعوة وطهارة النفس.
.. إن الصوفى يعبد الله سرا وجهرًا ولا يضع حدودًا لما يمكن أن يمضى عليه فى مسيرة حياته بل إن مسحة من الزهد ونظرة عميقة لدارسى الفلسفة الإسلامية تجعل للتصوف مكانة وقيمة بالضرورة فهى تراث مهم فى كل الأوقات وكافة العصور، وأتذكر الآن فى شهر الزهد والقناعة رمضان المبارك أن أحد كبار المتصوفة فى مصر كان من كبار علماء الأزهر الشريف حتى وصل إلى منصب الإمام الأكبر وأعنى به فضيلة الإمام الراحل عبد الحليم محمود الذى اقترنت مشيخته بنصر أكتوبر فى تاريخ مصر المحروسة دائمًا بأهل الخطوة وسدنة الإيمان الصحيح!