بقلم : عبد اللطيف المناوي
وصلتنى رسالة تهنئة بمناسبة اليوم العالمى لحرية الصحافة من نقابة الصحفيين، وأظنها وصلت لكل الزملاء، تحمل كلمات أنيقة عن الدفاع عن الحقيقة وترسيخ المهنية والمسؤولية. رسالة تصل فى موعدها كل عام، وربما بنفس الروح، وربما بنفس الصياغة، وكأن الزمن فى هذه النقطة تحديدًا لا يتحرك. وكل عام وأنتم بخير... وننتظركم العام القادم فى رسالة مشابهة، على أمل أن يكون هناك ما يستحق التهنئة فعلًا، لا مجرد تكرارها.
المشكلة لم تعد فى الرسائل، بل فى المسافة بينها وبين الواقع. فالصحافة التى يُحتفى بها نظريًا بوصفها سلطة رقابية، وضميرًا عامًا، ووسيطًا بين الحقيقة والمجتمع، تبدو فى كثير من الأحيان وكأنها فقدت هذه الوظائف واحدة تلو الأخرى، بهدوء، دون ضجيج، ودون حتى إعلان رسمى. لم تعد الصحافة تبحث عن الحقيقة بقدر ما تنتظرها فى بيان، ولم يعد الصحفى يسعى إلى المعلومة بقدر ما تُرسل إليه فى مجموعة «واتساب»، ولم يعد المراسل يغطى جهة بقدر ما أصبح، فى حالات ليست قليلة، مندوبًا لها داخل مؤسسته.
هنا يحدث التحول الأخطر، من صحافة تراقب السلطة إلى صحافة تُدار بها. فالمعلومة لم تعد تُنتزع، بل تُمنح، ومن يخرج عن النص يفقد حقه فى الوصول إليها. «الجروب» أصبح الوسيلة، ومن يُستبعد منه يُستبعد من المشهد كله. وفى هذا المناخ، لم تعد العلاقة بين الصحفى ومصدره علاقة مهنية قائمة على السؤال، بل علاقة مشروطة بالامتثال. حتى أصبح من الطبيعى أن تتحول بعض الجهات، بمختلف مستوياتها، إلى ما يشبه «جهات سيادية» لا يُقبل الاقتراب منها، ولا يُسمح بطرح أسئلة خارج ما تسمح به بياناتها الرسمية.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الطرف الآخر. فالمؤسسات الصحفية نفسها، بملاكها المختلفين دولة وقطاع خاص، قليل، لم تقم بالدور الذى كان يمكن أن يخفف من حدة هذا الانحدار. أين التدريب الحقيقى؟ أين التأهيل؟ أين الحد الأدنى من الحماية المهنية والإنسانية؟ كيف يمكن أن نطلب من صحفى أن يكون مستقلًا وهو لا يمتلك الحد الأدنى من الاستقرار؟ ليس مقبولًا، ولا حتى مفهومًا، أن يغيب صحفى عن عمله لأنه لا يملك أجر المواصلات، أتوبيس أو ميكروباص، لا «أوبر». هذه ليست أزمة رفاهية، بل أزمة كرامة مهنية.
هكذا تتقاطع الأزمات، قيود من الخارج، وتراجع من الداخل، ونتيجة واحدة، صحافة موجودة شكليًا، لكنها غائبة فعليًا. حاضرة فى العدد، غائبة فى التأثير. قادرة على النشر، لكنها عاجزة عن الإضافة. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أى مهنة، أن تستمر دون أن يكون لها دور حقيقى. لذلك، فإن السؤال فى هذا اليوم بماذا نحتفل؟ بالمهنة كما يجب أن تكون، أم كما أصبحت؟ وهل سننتظر الرسالة، بينما يتآكل الواقع بهدوء؟
الأزمة أكبر من أن تُختصر فى مقال، لكنها أوضح من أن تُنكر.