بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
لم يستمر التهديد الأمريكي-الإسرائيلى بغزو برى لإيران طويلا. ما أن بُدئ فى الحديث عنه حتى اختفى. ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تذكرت الويلات التى واجهت القوات الأمريكية فى غزوات برية شنتها على دول مثل العراق وأفغانستان. ولابد أن فى هذه الإدارة من يدركون التكلفة الباهظة لغزو إيران بريًا. فالغزو البرى يعنى بالضرورة خوض حرب مدن يكون للمدافع عن أرضه فيها أفضلية على المهاجم. وإذ يقترب موعد انتخابات التجديد النصفى فى الولايات المتحدة، فقد تراجعت إدارة ترامب عن فكرة الغزو البرى الذى يتطلب إنزال قوات أمريكية, الأمر الذى يُعَّرضها لأخطار يصعب تقدير مداها. وأسوأ ما يمكن أن يحدث لإدارة ترامب وحزبها هو أن يعود بعض الجنود الأمريكيين فى توابيت عشية انتخابات ستحدد مدى حرية الحركة التى ستُتاح لرئيسها فى النصف الثانى من فترة رئاسته.
فللحرب البرية قواعدها، وخاصةً حين تدخل القوات المهاجمة مدنًا مأهولة بسكان يرفضون احتلال بلدهم فيساعدون القوات المدافعة بطرق شتى. قديمًا قال الزعيم الصينى الراحل ماوتسى تونج إن البيئة الاجتماعية الحاضنة لأية مقاومة تشبه الماء بالنسبة إلى السمك. ومن الطبيعى أن يكون الشعب الذى يرفض احتلال بلده حاضنًا لمن يواجهون غزوًا بريًا.
لا تقدر القوات الأمريكية ولا الإسرائيلية على خوض حرب مدن فى إيران. ففى مثل هذه الحرب يسعى المدافع إلى تكبير المسافات أمام المهاجم وتطويلها، وبالتالى إطالة الوقت إلى المدى الذى يتيح له اصطياد بعض الغزاة وتدمير ما يتيسر من معداتهم. وفيما يحاول المهاجم إلى استخدام كل ما يملك من قوة، يسعى المدافع فى المقابل إلى استغلال أفضليته التى توفرها له معرفته بطبيعة الأرض التى تجرى محاولة غزوها. والحال أن حرب المدن تعد معضلة كبيرة بالنسبة إلى المهاجم. ولذا لم تتمكن قوات الاحتلال الإسرائيلى من غزو قطاع غزة إلا عبر حرب إبادة شاملة يصعب تكرارها فى حالة الرغبة فى غزو إيران.