أسامة غريب
مستوى الخريجين لدينا مؤسف وقدراتهم متدنية، بل إن مهاراتهم فى القراءة والكتابة تثير الشفقة، فما الذى أوصلنا إلى هذا الحال؟ هناك من يعتقد أن التربص بالتعليم كان مقصوداً والغرض أن يتساوى فى الجهل الذين التحقوا بالمدارس والجامعات والذين لم يلتحقوا، والغاية هى كسر العزة فى النفوس وفرض الذلة والمسكنة على الناس، ذلك أن الفرد المتعلم حقًا يكون شامخًا واثقًا من نفسه تملؤه الاَمال العريضة ويشعر بوجود بدائل وخيارات فى الحياة، ويكون فى العادة- حتى وهو فقير- قادراً على الدفاع عن وجهة نظره ورافضًا أن ينساق فى دوامات الكلام الفارغ من عينة الهيكلة والتعويم ومؤشر البورصة وسعر الصرف وثقافة السلام وقبول الاَخر والاعتدال وخفض التصعيد وسلاسل الإمداد والسردية!. من الطبيعى أن الجهلاء ومحدودى التعليم هم أقل من غيرهم ثقة بالنفس وأكثر استعداداً لقبول ما لا يمكن قبوله فى الظروف العادية.
وما لا يمكن قبوله فى كل بلاد العالم هو أن تكون الوظائف المتاحة للشباب من خريجى المدارس والجامعات فى طول البلاد وعرضها هى الوظائف الرثة قليلة القيمة والتى لا تحتاج فى حقيقتها إلى أى قدر من التعليم. ومثال على ذلك وظيفة «رجل الحمّام» وهو العمل الذى يقوم به الشباب داخل المولات والسينمات والمطاعم فى دورات المياه الملحقة بهذه الأماكن. داخل دورة المياه تجد شخصاً لا وظيفة له سوى أن يناولك منديل كلينكس بعد أن تغسل يديك! مع أنه بالإمكان أن يوضع ورق الحمام فى متناول الناس ليأخذوه بأنفسهم. يلاحظ أن عامل الحمام الذى لا يحصل على أجر فى الغالب ويعمل بالمجان يقوم بتخريب المجفف الكهربائى المعلق على الحائط لأنه يراه عدواً يسلبه البقشيش الذى يشكل كل دخله. هذه واحدة من الوظائف المتاحة للخريجين الاَن، بالإضافة إلى وظيفة أخرى منتشرة أيضاً وفى نفس الأماكن التى يرتادها الناس للتنزه وتناول الطعام وهى مندوبى بيع التايم شير وجذب الزبائن للحج والعمرة، علاوة على من يطلبون الناس بالتليفون بشكل عشوائى ليعرضوا عليهم شراء شقق وفيلات وشاليهات. وظيفة أخرى متاحة للخريجين هى العمل كفرد أمن وهى بالطبع لا تحتاج إلى أى قدرات أو مهارات، وهذه الوظيفة بالذات متاحة أكثر من غيرها لحراسة المنشاَت الترفيهية والوقوف بأبواب المولات ومجمعات التسوق والمدارس الخاصة والفيلات والقصور، ولا تخلو إعلانات الوظائف بالصحف يومياً من طلب موظفى سيكيوريتى حتى أصبحت تنافس فى وفرتها إعلانات طلب مندوبى مبيعات وهى الوظيفة التى يمر بها عادة كل الخريجين حتى يأذن الله بالسفر!. أما وظيفة سائق توك توك فهى تسبق كل ما فات وتتفوق عليه بالنسبة لطابور الراغبين فيها.
التعليم البائس لا ينتج سوى خريج مهزوز لا يجد سوى وظيفة رثة.. إن وجدها!
زمان كتب يوسف إدريس مقالًا أثار ضجة عنوانه: أهمية أن نتثقف يا ناس. كان أديبنا الكبير متفائلًا بشدة. اليوم لا نستطيع أن نتطلع إلى مواطن مثقف فهذا خيال، لكن يكفينا أن يكون متعلمًا فقط!