بقلم: عبد اللطيف المناوي
لا يصل الواقع إلى صاحب القرار كما هو، يمر عبر تقارير ومستشارين وموظفين، لكل منهم حساباته وطريقته فى الاختيار والصياغة. قد تُخفف أزمة، أو يُستبعد رقم مزعج، أو يوضع نجاح محدود فى مقدمة المشهد، حتى يجد المسؤول أمامه صورة متماسكة ومريحة، لكنها لا تشبه ما يعيشه الناس.
لا يحدث ذلك دائماً نتيجة مؤامرة أو رغبة متعمدة فى التضليل. كثيراً ما يكون استجابة طبيعية للبيئة التى صنعها المسؤول نفسه. فإذا كان يغضب ممن ينقل إليه خبرا سيئا، ويكافئ من يؤكد صحة قراراته، فسيتعلم المحيطون به ما يريد سماعه. وبعد فترة، لا يعود مطلوبا منه أن يطلب إخفاء الحقيقة، فقد أصبح الجميع يعرفون حدود الكلام المقبول.
أخطر ما فى المعلومات المريحة أنها ليست كاذبة بالكامل. قد تتضمن أرقاما صحيحة، لكنها منتقاة. وقد تعرض إنجازا حقيقىا، لكنها تخفى تكلفته أو أثره المحدود. وقد تنقل رضا مجموعة صغيرة باعتباره اتجاها عاما. وهكذا لا يُزوَّر الواقع، بل يُعاد ترتيبه إلى أن يفقد معناه.
عندما تتكرر هذه العملية، يعيش المسؤول داخل دائرة مغلقة. يراه الناس بعيداً عن مشكلاتهم، بينما يعتقد هو أن الأداء جيد وأن الشكاوى حالات فردية أو حملات معادية. وإذا ظهرت الأزمة بوضوح، يفاجأ بها، لا لأنها نشأت فجأة، بل لأن إشاراتها كانت تُحذف فى الطريق إليه.
المعلومات المريحة تنتج قرارات مريحة أيضاً. فالمسؤول الذى يسمع أن كل شيء يسير وفق الخطة لن يراجعها، ومن يُقال له إن الناس راضون لن يبحث عن أسباب غضبهم. وعندها تصبح السياسات وسيلة لتأكيد التصور السابق، لا لاختبار صحته. وكل قرار جديد يُبنى على معلومة ناقصة يزيد المسافة بين المؤسسة والواقع.
لكن المسؤول ليس ضحية كاملة لمن حوله. من يملك سلطة القرار يتحمل مسؤولية الاختيار وتصميم نظام وصول الحقيقة إليه. عليه أن يفتح أكثر من قناة للمعلومات، الاجتماعات المغلقة لا تكشف كل شىء، والجولات المرتبة قد تتحول إلى عرض آخر للمشهد المريح.
كما يحتاج المسؤول إلى حماية من يختلف معه. لا يكفى أن يقول: «بابى مفتوح»، إذا كان من يدخل حاملاً اعتراضا يدفع ثمن صراحته. الثقافة المؤسسية تُقاس بما يحدث لصاحب الخبر السيئ بعد أن ينقله، لا بما يُكتب عن حرية الرأى فى اللوائح.
وجود مستشار أو فريق مكلف باختبار الفرضيات والبحث عن نقاط الضعف ليس تعطيلًا للقرار، بل حماية له. فالمسؤول القوى لا يريد ممن حوله أن يثبتوا أنه كان محقا بل يريدهم أن يمنعوه من أن يخطئ.
الحقيقة قد تكون مزعجة فى لحظتها، لكنها أقل تكلفة من المفاجأة. ومن يحكم بالمعلومات التى تريحه قد يحتفظ بهدوئه فترة، لكنه يفقد قدرته على الحكم. فصاحب القرار لا يحتاج إلى مرآة تجمّله، بل إلى نافذة يرى منها الواقع قبل أن يفرض الواقع نفسه عليه.