بقلم: أمينة خيري
«تحولت» المظاهرات فى فرنسا إلى قضية مهاجرين. «تحولت» الاحتجاجات الطلابية إلى عنف وتدمير وسرقة محلات. «تحول» الاحتجاج على تدهور البنى التحتية للتعليم وتهالك مبانى المدارس وغياب الصيانة وانتشار القوارض وسوء التدفئة ونقص المعلمين واكتظاظ الفصول الدراسية، تزامناً وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة وخطط الحكومة الفرنسية لتقليص الإنفاق العام إلى أزمة مهاجرين.
وستتحول الاحتجاجات، سواء الطلابية أو تلك المنطلقة لأسباب اقتصادية، فى غيرها من الدول العربية، إلى أزمة مهاجرين. وسيتلقف كثيرون ما يجرى فى هذه الشوارع ليتم التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية لوجود مهاجرين، لا سيما أولئك من أصول عربية ومسلمين.
ولأن المسألة بالغة التعقيد، ولأن المشكلات عمرها عقود لا أشهر أو سنوات، ولأن العالم مهيأ تماماً لإلقاء اللوم على أقرب وأسهل سبب، والحلقة الأضعف فى أى خلاف أو اختلاف، ألا وهى المهاجرين، لا سيما العرب والمسلمين، ولأن تيار اليمين المتطرف يعيش أزهى سنواته وأبهى عصوره، فإن الاحتجاجات الأوروبية فى طريقها لأن تصبح شغبا عرقيا وعنفا سببه أن العرب والمسلمين – وإلى حد ما – السود أكثر عرضة للتصرفات العنيفة من غيرهم!
يصعب القول إن ملف المهاجرين، بمن فيهم من أبناء الأجيال الثانية والثالثة والرابعة والخامسة (موجات الهجرة العربية لفرنسا بدأت فى أواخر القرن الـ19)، بعيد تماماً عما يجرى، لكنه أيضاً ليس السبب فيما حدث وسيحدث وسيتمدد إلى دول أوروبية أخرى فى الأسابيع القليلة المقبلة.
لا توجد أرقام أو إحصاءات دقيقة عن عدد الفرنسيين من أصول عربية، فالقانون الفرنسى يمنع جمع بيانات التعداد السكانى بناء على عرق أو إثنية أو دين، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أنهم يشكلون بين خمسة وعشرة فى المائة من السكان. جانب كبير من هؤلاء يعانون من جهتين: الأولى تهميش اجتماعى واقتصادى، والتمييز اليومى ومنه ما لا يمكن إثباته بالحجة والبرهان، لكنه محسوس على مدار اليوم، وتدهور الخدمات فى الأحياء التى يتكتلون فيها. والثانية رغبة أو قرار أو رفض أو عجز البعض عن الاندماج فى المجتمع الفرنسى، القائم على مبادئ العلمانية، وهو ما ينعكس فى مشكلات واحتقانات ومواجهات بين الحين والآخر.
والنتيجة أن مفهوم العلمانية زاد تشدداً، ورافضى العلمانية زادوا تمسكاً برفض مبادئها، مع استمرار التهميش والتمييز الاقتصادى والاجتماعى. لا يمكن فهم ما يجرى فى ضوء ملف الهجرة والفرنسيين من أصول مختلفة فقط. وكون تيارات اليمين المتطرف فى فرنسا وغيرها من الدول تدق على هذا الوتر لا يعنى أنه ذو مصداقية. هى فرصة ذهبية تدق عليها تيارات اليمين المتطرف، وتساعدها فى ذلك تيارات اليسار المتطرف بأفكارها.
بشكل عام، لعبة التراشق بالاتهامات سهلة وخطيرة. وكل تيارت «التطرف»- بما فيها الإسلام السياسى المتطرف- تلجأ إليها لأسباب لا تتعلق بصالح الشعوب، بل لصالح آخرين. وها هو حادث إطلاق النار قرب باريس يصنف بأنه «هجوم إرهابى عنصرى استهدف مهاجرين».