نظرية الغباء

نظرية الغباء

نظرية الغباء

 العرب اليوم -

نظرية الغباء

بقلم: فاطمة ناعوت

«ما جادلتُ عالمًا إلا غلبتُه، وما جادلنى جاهلٌ إلا غلبنى. مقولة تُروى عن الإمام الشافعى»، كما نُسبت لآخرين بألفاظ مغايرة، وتنازعتها الكتبُ كما يتنازع الورثةُ بيتًا قديمًا. وبما أننى من الورثة، سأسمحُ لنفسى بالتصرّف فى بعض كلماتها، لتغدو: «ما جادلتُ عاقلاً إلا غلبتُه، وما جادلنى أحمقُ إلا وغلَّبنى»، بتشديد اللام فى غلَّبنى، من الغُلب، أى الإعياء والتعب النفسى؛ بسبب العجز عن إيجاد طريقة للوصول إلى عقله. فالأحمقُ لن يهزم الفيلسوف فكريًّا، لكنه قادرٌ على إنهاكه فى محاولة العثور على باب فى جدار أملس. هنا لا يكون الغَلَب انتصارًا فكريًّا، بل استنزافًا. فالحُمق لا مَسكة له، ولا طرف خيط تمسك به لتسحبه إلى الضوء.

وبعد قرون جلس المفكرُ الألمانى ديتريش بونهوفر فى شتاء الحرب، ليمنح هذا الإعياء اسمَه الصحيح، ويقول لنا لماذا الغباءُ أخطر كثيرًا من الشر. لم يكتف بونهوفر بأن يكون شاهدًا على بلاده وهى تنزلق إلى الهاوية، بل التحق بخليّة سرية تعمل على إسقاط النظام النازى. فى أواخر عام ١٩٤٢، كتب لرفاقه أوراقًا سمّاها بعد عشر سنوات، فيها فصلٌ عنوانه: عن الغباء. قال فيه إن الشر يمكن فضحُه ومقاومته، وإنه يحمل فى داخله بذرة هلاكه؛ لأنه يترك فى النفوس قلقًا. بينما الغباءُ محصّنٌ ضد الحجة والمنطق. تصطدم به الوقائعُ والأدلة فلا تهزّه، بل يزيحها الغبى جانبًا بكل يسرٍ كأنها طارئٌ تافه، ثم يمضى راضيًا عن نفسه، ولا يتورّع عن العدوانية إن تحرك. والغباء الذى يقصده بونهوفر هو أن يُسلّم المرءُ مفاتيح عقله لغيره، ويُردِّد ما يُملَى عليه دون تفكير. وبعد شهور من كتابته هذه الأوراق، أُغلقت عليه زنزانةٌ، ثم أُعدم شنقًا قبل أسابيع من سقوط الرايخ، وبقيت أوراقُه تتحدث نيابةً عنه.

ولماذا الغبى أخطرُ من الشرير؟ الشريرُ يعرف ما يريد. له دافعٌ وغاية وطريق وخطّة منطقية. ولذا بوسعك أن تتوقّعه، فتُوصد بابك قبل أن يبلغه، أو تحاوره وتفاوضه إذا اقتنصك. فالطامعُ تسهُل مساومته. والأهم أن بوسعك معاقبته على جرائمه بالقانون. أما الغبى فلا خطّة له بوسعك توقعها، ولا منطقَ فى حراكه يدلّك على خطوته التالية. والأخطر ألا قانون يُجرّم الغباء. قد يُشعل النار فى الغرفة ليستدفئ، أو يردم البئر ليحميها من الذباب، أو يكسر الساعة ليوقف الزمن، أو يُسقط الجسر ليُصلح مطبًّا، ثم يُقسم أنه ما أراد إلا الخير. كيف تحتاط من رجل لا يجيد رسم خُطاه؟ هنا مكمن الخطر: أذى بلا منطق، فلا يُتّقى بالحذر، ولا يُرَدّ بالحجة، ولا يوقف بالقانون.

ثم جاء المؤرخ الإيطالى كارلو تشيبولا ليُرخى ظلال السخرية على الغباء؛ فوضع له خمسة قوانين فى مقاله الساخر: القوانين الأساسية للغباء الإنسانى، فى محاولة لتحذير الناس من هذا الخطر. أولها: أننا نخطئ التوقع دائمًا، فنحسب الأغبياء أقلّ عددًا مما هم فى الواقع، كمن يعدّ الحصى فى قاع النهر من صفحة الماء العلوية. إذ نظنّ الناس يفكّرون بمنطقنا، وأنهم لو حملوا معارفنا بلغوا نتائجنا. يرى «تشيبولا» أننا مهما ادعينا فهمنا للطبيعة البشرية، سنظل نفاجأ بأشخاص لم نتوقع منهم تصرفات بالغة السوء. فالغباء، وهذا هو القانون الثانى، لا يحترم الشهادات الجامعية ولا الطبقات الاجتماعية، فلا يميز بين أستاذ وأمىّ، ولا بين غنى وفقير. وثالثًا: الغبى يضرّ غيره دون أن يربح هو شيئًا، وربما يخسر. ورابعًا أن العقلاء دائمًا يستهينون بقدرة الأغبياء على الأذى، وينسون أن التعامل معهم خطأ باهظ الثمن، فيعاودونهم ويتأذون.

فى القانون الثالث، وسماه تشيبولا: «القانون الذهبى»، قسّم البشرَ إلى أنماط. الذكى: يحقق المكسب له ولغيره. اللصُّ والأنانى: يحقق مكسبًا لنفسه ويؤذى غيره. المُتخبط والعاجز: يخسر ليحقق المكسب لغيره. أما الغبى: فيضرُّ الآخرين دون أن يكسب، بل غالبًا ما يخسر هو أيضًا. وهذا ما يقودنا إلى القانون الخامس: أن الغبى هو أخطر الأنماط البشرية قاطبةً. فهو عند «تشيبولا» أخطر من قاطع الطريق. فقاطع الطريق سوف يأخذ محفظتك وساعتك ويمضى، أما الغبى فيأخذ الطريق كله.

وأخطر ما فى الأمر أن الغبى لا يعرف أنه غبى. يمرّ بالمرآة فلا يرى إلا حكيمًا مظلومًا. يصافح ضحاياه وهو يحسبهم مدينين له بالامتنان والشكر. ولذا لا يجدى معه عتابٌ ولا عقاب. ولا يبقى لنا إلا أن نحرس أبوابنا. فلا نُسلِّم عقولنا لأحد، ولا نكفّ عن القراءة والسؤال. فمن يسأل، يظلّ قرب الضوء، ومَن يكفّ عن السؤال يوصد بنفسه باب المعرفة.

مقام السؤال:

لو فتحت حقيبة عقلك الآن، كم فكرةً فيها حملتَها عن غيرك، ولم تُمسكها بيدك وتقلّبها على وجهيها، لتُقيّم صحيحَها من خطئها؟.

arabstoday

GMT 04:27 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

GMT 04:24 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التحالفات الإقليمية في مواجهة السردية الإيرانية

GMT 04:11 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

«تسي يوان» وحدة قياس المستقبل

GMT 04:00 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مقبرة الجميلة نفرتاري

GMT 03:20 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

زيارة ودية بايخة!

GMT 03:13 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة الإسكندرية

GMT 03:11 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

الذكاء ومصر والسودان (5)

GMT 03:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

فلما اشتد ساعده رماني

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نظرية الغباء نظرية الغباء



أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة ـ العرب اليوم

GMT 23:48 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

واشنطن تدعو إثيوبيا وإريتريا إلى خفض التصعيد واحتواء التوتر
 العرب اليوم - واشنطن تدعو إثيوبيا وإريتريا إلى خفض التصعيد واحتواء التوتر

GMT 04:12 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

إغلاق مطار الملك خالد الدولي واضطرابات في حركة الطيران

GMT 10:18 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

القوات الإسرائيلية تتوغل في أرياف القنيطرة وريف دمشق

GMT 17:39 2026 الإثنين ,12 تشرين الأول / أكتوبر

الملكة كاميلا تكشف عادة "مزعجة" للملك تشارلز قبل العشاء

GMT 22:49 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حريق محدود بمبنى إداري تابع لأرامكو في الظهران إثر استهدافه

GMT 17:52 2026 الإثنين ,12 تشرين الأول / أكتوبر

محمد رمضان يكشف أول صورة لشخصية "عشماوي" بشارب كث

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

استهداف ناقلة منتجات نفطية بمقذوف مجهول في مضيق هرمز

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الخطوط القطرية تعلق رحلاتها مؤقتا إلى الرياض والدمام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab