هل يستجيب أحد لمعاناة الناس، هل يهتم المسئولون بأحوال الناس؟.. هل يرد أحد على شكاوى الناس؟.
- آلاف الشكاوى التى تلقى فى المكاتب، ولا أحد يهتم، وزادت المسافة بين المسئول والمواطن. الذى نعرفه أن المسئول فى خدمة المواطن، يرعى مصالحه، ولكن المكاتب الآن أغلقت، واكتفى المسئول بالفريق الذى يحيط به، ولا يهتم. وكل واحد يحاول أن يأخذ ما يقدر عليه من المكاسب: وهناك من يجلس بلا عمل. إن غياب العدالة يمكن أن يصبح أسوأ أنواع الظلم، وإذا غابت العدالة غابت الرحمة، وسادت الفوضى، وفسدت الأخلاق.
- إن أسوأ ما يصيب العلاقة بين المواطن والمجتمع أن تصبح القطيعة أسلوب حياة فى البيت وداخل الأسرة، وفى العمل والعلاقات الإنسانية بين الناس، حيث تنتشر الكراهية والأحقاد، وتتراجع قيمة الإنسان، وتهبط قدرات الناس وأقدارهم.
قد تبدو هذه الأشياء ظواهر عارضة، ولكنها مع الإهمال وعدم الجدية تصبح أمراضًا تسكن جسد المجتمع، وتغير ثوابته. وهنا تختل منظومة القيم والأخلاق، ويكون السباق بين الناس، كل يحاول أن يحصل على حقه، ما دام المجتمع فشل فى تحقيق العدالة.
- إن انتشار هذه النباتات الضارة فى جسد المجتمع تصل بقدراته إلى حالة من الترهل وضعف المقاومة، وقد يترتب على ذلك أنواع جديدة من العلاقات الغريبة التى تمهد للتفكك والانقسام. كانت صلابة المجتمع المصرى تقوم على الاستقرار الحقيقى وتحديد الأدوار بين أبناء الوطن. كانت السلطة تعرف مسئوليتها، وكانت العلاقات أكثر شفافية، وكان الشارع أكثر انضباطًا. ما زلنا نذكر زيارات المسئولين لمواقع العمل، وما كان يجرى من المناقشات والحوارات مع المواطنين، وكانت مشاكل الناس لها أهمية خاصة، ولم تكن أمراض الغرور والتعالى والأنانية قد سيطرت على سلوكيات الناس بهذه القسوة.
- كلنا الآن ينظر إلى مافى أيدى الآخرين، وسادت حالة من الجشع المادى الرهيب، وغابت الرحمة، واختلت موازين العدالة. كانت العلاقة بين فقراء الشعب وأغنيائه تحكمها ضوابط وقيم أخلاقية، وكان المجتمع أكثر تآلفًا وقربًا، ولم تكن لعنة الانقسام قد أصابت كل أطراف المجتمع: ثراءً وفقرًا، ونفوذًا وضعفًا.
- كنت ترى المسئول وسط الناس، يفض أزمة، ويواجه مشكلة، ويسعى للحل وهو فى مكانه. كانت هذه مصر التى عرفناها فى يوم من الأيام. وكنت صحفيًا شابًا، كتبت تحقيقًا عن قضية اعتداء على المال العام، وفوجئت بقرار من مكتب سامى شرف، بأمر من الرئيس، بالتحقيق فى صحة الوقائع التى جاءت فى التحقيق، واتضح أنها صحيحة. الآن السادة المسئولون لا يهتمون بما ينشر فى الصحف. مطلوب حسم العلاقة بين المسئول والمواطن.
ـ مطلوب أن يدرك المسئول أنه جاء فى منصبه من أجل خدمة المواطن.
ـ مطلوب ألا تتحول مواقع المسئولية إلى مراكز للخدمات، لأن المسئول جاء لخدمة الشعب.
ـ المال العام له قدسية، وليس ملكًا خاصًا، وتسرى عليه مسئوليات الحماية، وليس الجباية.
ـ المناصب كلها إلى زوال، وتبقى الأمانة والثقة والشفافية.
ـ إذا كان من حق المسئول القرار، فمن حق المواطن الحساب.
ـ مصر أكبر من كل شيء، ولا شيء أكبر منها، وليس من حق المسئول أن يتصور أنه أكبر منها.
- إن إهمال الحوار مع الشارع وتهميش دوره ومطالبه واحتياجاته، وجلوس المسئولين فى مكاتبهم المكيفة، يجعل القطيعة أزمة بلا حل، وعدم التجاوب وصل إلى درجة الفوضى. ولهذا لا بد من الحوار، لأن تأجيل الأزمات يعنى خلق أوضاع أسوأ. هناك قضايا لم تجد الحسم فى كل مراحلها، وفى مقدمتها الخدمات والأعباء التى فرضتها الحكومة على المواطنين.
- إن ما حدث فى أسعار السلع والخدمات الأساسية، كل هذه الأشياء لم تشهد جلسة حوار حولها، وكانت إجراءات ملزمة. وهو ما أفقد تلك القرارات شفافيتها والهدف منها. إن هذه الظاهرة يمكن أن نسميها فوضى القرارات، لأنها افتقدت الدراسة والشفافية، وحملت المواطن فوق ما يحتمل.
- لقد تغيرت خريطة المجتمع المصرى فى كل جوانب الحياة. ازداد الفقراء احتياجًا، وازداد الأثرياء جشعًا، وانقسم المجتمع على نفسه بين أصحاب المنتجعات والمدن الجديدة والشواطئ، وأصحاب الأبراج، وأصبح المال سلطانًا على الجميع. وانتقلت إلينا عادات وسلوكيات غريبة، حملت معها كل التناقضات والعلاقات التى تعانيها مجتمعات أخرى تختلف تمامًا عن ثوابت المصريين.
- إن الأسرة المصرية تفككت، وساءت العلاقات فى البيت الواحد، وفقد الأب سطوته، وتخلت الأم عن دورها، وخرج الأبناء ولم يعودوا، وسيطرت على سلوكيات الناس نزعات من التعالى والغرور والبحث عن المكاسب. هذا المجتمع لم يكن مصر التى عرفناها وعشنا على أرضها وشربنا ماء نيلها.
- من يعيد للمصريين زمانهم القديم؟ من يعيد الحب والتواصل بين الناس، ويعيد العدل والرحمة؟ لأن مصر الأكبر والأرقى، حتى لو تغير الزمان واختلف البشر.
بقيت عندى كلمة: الأوطان تكبر بشعبها، وحين تفرط الشعوب فى أقدارها، تتراجع الأشياء وتسقط الهيبة، ويعز الرجال ويصغر كل شيء، ومصر الكبيرة يجب أن تبقى كبيرة؛ لأنها أم الدنيا..
ويبقى الشعر
السَّقْفُ يَنزِفُ فَوْقَ رَأْسِي
وَالْجِدَارُ يَئِنُ مِنْ هَوْلِ المَطَرْ
وأَنا غَرِيقٌ بَيْنَ أَحْزَانِي
تُطَارِدُنِى الشَّوَارِعُ للأزقة.. لِلْحُفَر
فِى الوَجْهِ أَطْيَافُ مِنَ المَاضِي
وَفِى الْعَيْنَيْنِ نَامَتْ كُلُّ أَشْبَاحِ السَّهَرْ
وَالثَّوْبُ يَفْضَحْنِي وحول يَدَى قَيْدُ لَسْتُ أذكر عُمْرَهُ
لَكِنَّهُ كُلُّ العُمر
لا شيء فِى بَيْتِي سِوَى صَمْتِ اللَّيَالِي
والأمَانِى غَائِماتٌ فِى الْبَصَر ...
وَهُنَاكَ فِى الرُّكْنِ البَعِيدِ لُفَافَةٌ
فِيهَا دُعَاءٌ مِنْ أَبِي
تَعْوِيذةٌ مِنْ قَلْبِ أَمِّى.. لَمْ يُبَارِكْهَا الْقَدَرْ
دَعَوَاتُهَا كَانَتْ بِطُولِ العُمْرِ
وَالزَّمَنِ العَنِيدِ المُنْتَصِرْ .
أَنَا مَا حَزِنَتُ عَلَى سِنِينِ العُمْرِ
طَالَ العُمْرُ عِنْدِى.. أَمْ قَصُرَ
لَكِنَّ أَحْزَانِى عَلَى الْوَطَنِ الْجَرِيحِ
وَصَرْخَةِ الْحُلْمِ البَرَىءِ الْمُنْكَسِرْ
◙ ◙ ◙
فَالَمَاءُ أَغرَقَ غُرْفَتِى
وَأَنَا غَرِيبٌ فِى بِلادِ اللَّهِ
أدْمَنْتُ الشواطئ والمنافى والسَّفَر..
كمْ كُنْتُ أَبْنِى كُلَّ يَوْمٍ أَلفَ قَصْرٍ
فَوْقَ أوراقِ الشَّجَرُ..
كَمْ كُنْتُ أَزْرَعُ أَلْفَ بُسْتَانٍ عَلَى وَجْهِ القَمَرْ..
كَمْ كُنتُ ألْقِى فَوقَ مَوْجِ الرِّيحِ أَجْنِحَتِي
وَأَرْحَلُ فِى أَغَارِيدِ السَّحَرْ ..
مُنْذُ انْشَطَرْتُ عَلَى جِدَارِ الْحُزْنِ..
ضَاعَ الْقَلْبُ مِنِّى.. وَانْشَطَرْ
وَرَأَيْتُ أَشلَائِى دُمُوعًا فى عُيُونِ الشَّمْسِ
تَسْقُطُ بَيْنَ أَحْزَانِ النَّهرُ..
وَغَدَوْتُ أَنْهَارًا مِنْ الكَلِمَاتِ
فِى صَمْتِ اللَّيَالِى.. تَنْهَمِرْ
قَدْ كُنْتُ فِى يَوْمٍ بَرِيءَ الْوَجْهِ
زارَ الخُوفُ قَلْبِى.. فَانْتَحَرْ ..
وحدائقى الخَضْرَاءُ مَا عَادَتْ تُغَنِّى مثلما كَانَتْ
وَصَوْتِى كَانَ فِى يَوْمٍ عَنِيدًا وَانْكَسَر
وَلَدى مِنْ عُمْرِي
وَذِكْرَى الْأَمْسِ بَعْضُ مِنْ صُوَرَ
فَلْتَنْظُرِى صُوَرِى..
فَإِنَّ الأَمْسَ أَحْيَاناَ
يَكُونُ عَزَاءَ يَومٍ .. يَحْتَضِرْ .
هَلْ تَسْمَحِينَ بِأَنْ يَنَامَ عَلَى جُفُونِكَ لَحْظَةً
طِفْلٌ يُطَارِدُهُ الْخَطَرْ
هَلْ تَسْمَحِينَ لِمَنْ أَضَاعَ الْعُمْرَ أَسْفَاراَ
بِأَنْ يَرْتَاحَ يَوْمًا.. بَيْنَ أَحْضَانِ الزَّهر..
إِنِّى لَأَفزعُ كُلَّمَا جَاءَتْ خُيُولُ اللَّيْلِ نَحْوِي
يَحْتَوِينِى الْهَمُ يَخْنُقُنِى الضَّجَرْ..
اعتَدْتُ أَنْ تَعْوِى كِلابُ الصَّيْدِ فِى قَدَمِي
تُحاصِرُنِى .. وَتَعبَثُ فِى عُيُونِي
كُلَّمَا الجَلادُ ــ فِى سَفَهِ ــ أَمر...
إِنِّى أَخَافُ عَلَى ثِيَابِكَ مِنْ ثِيابي
كُلُّ مَا أَرْجُوهُ بَعضُ الأَمْنِ ..
عطر .. دَنْدَنَاتٌ مِنْ وَتَرْ
◙ ◙ ◙
لَا تَخْجَلِى إِنْ كَانَ عِنْدَكَ بَعْضُ أَصْحَابٍ
وَجِئتُ بِثَوْبِيَ الْعَارِى بِبَابِكَ أَنْتَظِرُ
لَكِنَّهُ حُزْنُ الصَّقِيعِ..
وَوَحْشَةُ الغُرَبَاءِ فِى لَيْلِ المطر
فَالنَّاسُ حَوْلِى يُهْرَعُونَ
وَفِى ثِيَابِى نَهْرُ مَاء
فِى عُيونى بَحْرُ دَمع .. بَيْنَ أَعْمَاقِى حَجَر..
وَأُرِيدُ صَدْرًا لا يُسَاوِمَنِى عَلَى عُمْرِي
وَلَا يَأْسَى عَلَى مَاضٍ عَبَرْ
فالعرى أعرفُه.. وأعرفُ أَنَّ مِثْلِى
فِى زَمَانِ الرِّقَ مَطَلُوبٌ ..
وأَنَّ الحَرْصَ لَنْ يُجْدِى.. وَلَنْ يُغْنى الحذر
◙ ◙ ◙
إِنِّى سَأَرْحَلُ
عِنْدَمَا يَأْتِى قِطَارُ اللَّيْلِ
لا تبكَيِ لأجْليِ..
لا تَلُومِى الْحَظّ إِنْ يَوْمًا غَدَرْ
فأَنَا وَحِيدُ فى ليالى البَرْدِ..
حَتَّى الْحُزْنُ صَادَقَنِى زَمَاناَ
ثُمَّ فِى سَأَم..هَجَرْ
إنِّى أحبُّكِ
رَغْمَ أَنَّ الْحُبَّ سُلْطَانٌ عَظِيمٌ .
عَاشَ مَطْرُوداَ.. وكم داسته أقدام البشر
إنِّى أحبُّكِ
فاتركينى الآنَ فِى عَيْنَيْكَ أَغْفُو
إِنَّ خَلْفَ البَابِ أَحْزَانَا وَعُمْرا يَنْتَحِرْ
كُلُّ العَصَافِيرِ الْجَمِيلَةِ أَعْدَمُوهَا
فَوْقَ أَغصَانِ الشَّجَر..
كُلُّ الْخَفَافِيشِ الْكَئِيبَةِ
تَمْلأُ الشَّطآنَ.. تَعْبَثُ فَوْقَ أَشْلَاءِ النَّهْرُ
لا تَحْزَنِي
إِنَّ الزَّمَانَ الرَّاكِعِ الْمَهْزُومَ لَنْ يَبْقَي
وَلَنْ تَبْقَى خَفَافِيشُ الْحُفَر
فَغَدا تَصِيحُ الْأَرْضُ فَالطُّوفَانُ آت
والبراكينُ الَّتِى سُجنت أَرَاهَا تَنْفَجِرٍ..
والصبحُ هَذَا الزَّائِرُ المَنْفِيُّ مِنْ وَطَنِي
يُطِلُّ الآن.. يَجْرِى.. يَنْتَشِرْ..
وَغَدا أُحِبُّكِ مِثْلَمَا يَوْما حَلَمْتُ ..
بِدُونِ خَوفٌ ..أو سُجُون.. أو مَطَر
قصيدة «أحزان ليلة ممطرة» سنة 1997