بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
استمر الاحتلال البريطانى لمصر نحو 72 عامًا من سبتمبر 1982 إلى يونيو 1954 عندما رحل آخر جندى إنجليزى. تنامت الحركة الوطنية المصرية من أجل الاستقلال والدستور خلال تلك الفترة. وحقَّقت هذه الحركة هدفها فى الدستور أولاً عام 1923، بيما استمر النضال من أجل الاستقلال التام وجلاء القوات البريطانية التى كانت باقية فى منطقة قناة السويس. وتحقق هذا الاستقلال على مراحل بدءًا بتصريح 28 فبراير 1922، ومرورًا بمعاهدة 1936 التى تمر هذا العام الذكرى التسعون لتوقيعها.
اختلف المؤرخون، كما الساسة فى حينها، على تقييم هذه المعاهدة التى أطلق أنصارها عليها معاهدة الشرف والاستقلال.
وكان بقاء عدة آلاف من الجنود البريطانيين فى منطقة قناة السويس المحور الرئيسى لهذا الخلاف، يرى المعترضون على تسميتها معاهدة الشرف والاستقلال أن بقاء تلك القوات كان يعنى استمرار الاحتلال، بيما يعتبر من أيدوها أنها حققت نقلة كبيرة إلى الأمام على أساس أن الاستقلال التام الناجز إنما يتحقق عبر مراحل عدة من الكفاح الوطنى. والحال أن معاهدة 1936 كانت نتيجة كفاح طويل اعتمد على وجود زخم شعبى يُستثمر فى مفاوضات مع الإنجليز.
وللإنصاف لم يكن ممكنًا عام 1936 انتزاع ما هو أفضل من هذه المعاهدة. فقد حققت مصر بموجبها ثلاثة من أهداف الكفاح الوطنى. الأول هو اعتراف بريطانيا فى المادة الأولى باستقلال مصر وتحول العلاقة بين البلدين إلى تحالف. والثانى إلغاء الامتيازات الأجنبية الظالمة التى جثمت على ظهر الشعب طويلاً.
أما الهدف الثالث فكان إقرار بريطانيا بحق مصر فى جلاء القوات الإنجليزية الباقية فيها عندما يصبح لديها جيش كبير مزود بأسلحة حديثة. وهكذا كانت معاهدة 1936 خطوة مهمة وكبيرة بمقاييس وقتها فى اتجاه انتزاع الاستقلال التام وجلاء آخر قوات بريطانية منها بعد ثمانية عشر عامًا من توقيع تلك المعاهدة.