بقلم:عبد اللطيف المناوي
مازالت المعلومات تتسرب بشأن مسودة التفاهم الأمريكى- الإيرانى المتوقع الإعلان عنها، التى إن صحت فنحن لا نكون أمام اتفاق سلام بالمعنى التقليدى، بل أمام صفقة سياسية وأمنية واقتصادية واسعة تهدف إلى إخراج المنطقة من أخطر أزمة شهدتها منذ سنوات، وإعادة الصراع من الميدان العسكرى إلى طاولة التفاوض.
الاتفاق لا يقوم على مبدأ «الحل النهائى»، بل على مبدأ إدارة الأزمة ومنع انفجارها، كما ذكرنا مراراً. فمدة الاتفاق ستون يوماً فقط، قابلة للتمديد، بما يعنى أن واشنطن وطهران لا تدعيان حل جميع الخلافات، وإنما تسعيان إلى خلق فترة اختبار متبادل تبنى الثقة وتمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
يقوم الاتفاق على معادلة بسيطة طرحها ترامب بنفسه وفق التسريبات، «الأداء مقابل الإعفاء». فإيران تزيل الألغام من مضيق هرمز، وتعيد فتح الملاحة، وتقدم خطوات ملموسة فى الملف النووى، بينما ترفع الولايات المتحدة تدريجياً الحصار عن الموانئ الإيرانية وتمنح إعفاءات تسمح بعودة صادرات النفط إلى الأسواق.
هذه النقطة بالذات تعكس تغيراً مهماً فى التفكير الأمريكى. فواشنطن انتقلت من منطق الضغط الأقصى الذى كان يهدف إلى تغيير السلوك الإيرانى بالكامل، إلى منطق أكثر براجماتية يقوم على تحقيق نتائج عملية قابلة للقياس. ليس المطلوب الآن تغيير النظام الإيرانى، بل تغيير بعض سياساته الأكثر إلحاحاً وتأثيراً على الأمن الإقليمى والاقتصاد العالمى.
الملف النووى يبقى العقدة الأساسية. فالتسريبات تتحدث عن تعهدات إيرانية بعدم السعى إلى إنتاج سلاح نووى، والتفاوض حول تعليق التخصيب والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالى التخصيب. غير أن السؤال الحقيقى لا يتعلق بالتعهدات، بل بآليات التحقق منها. الخلاف ينشأ عند التفسير والتنفيذ.
الملحوظة المهمة هى الربط بين الاتفاق وإنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله. فإذا صح هذا البند، فإن ذلك يعنى أن واشنطن لا تنظر إلى الأزمة باعتبارها ملفاً إيرانياً فقط، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمى بأكمله. فوقف الحرب فى لبنان سيشكل مكسباً استراتيجياً كبيراً للولايات المتحدة وللأسواق العالمية، وسيمنح الإدارة الأمريكية فرصة للانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الترتيبات الجديدة فى المنطقة.
أكثر الأطراف قلقاً يبقى إسرائيل. فتل أبيب ستنظر إلى أى اتفاق لا يتضمن معالجة حاسمة للبرنامج النووى الإيرانى باعتباره هدنة تمنح طهران وقتاً إضافياً، لا حلاً نهائياً للمشكلة. ولهذا قد يكون التحدى الأكبر أمام الاتفاق ليس توقيعه، بل ضمان استمراره ومنع القوى المتضررة منه من إفشاله. لا يبدو أننا أمام سلام تاريخى، بقدر ما هى محاولة منظمة لمنع الانفجار الكبير. وإذا وُلد هذا الاتفاق بالفعل، فإنه سيحقق هدفاً أساسياً يتمثل فى خفض التوتر وفتح هرمز وتهدئة الأسواق. لكنه لن يزيل أسباب الصراع العميقة.
التحدى الحقيقى ليس توقيع الاتفاق، بل قدرة الأطراف على تحويل هدنة الستين يوماً إلى مسار سياسى طويل الأمد.
قد لا تبدو الإجابة محسومة. لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة انتقالية قد تحدد توازناته لسنوات.