بقلم:عمرو الشوبكي
انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ بفضل المقاومة اللبنانية، وعلى رأسها حزب الله، بعد سنوات من الاحتلال وزرع العملاء، وقد نال وقتها الحزب دعما وطنيا شاملا لأن جزءا من لبنان كان محتلا، ومن الشرف والوطنية الكفاح المسلح ضد سلطة احتلال غاشمة، وكان النصر وتحرير الجنوب.
ولكن الأمر اختلف بعد أن دخل حزب الله منفردا، ومنذ نحو ٢٧ عاما حربا مع إسرائيل احتلت فيها الأخيرة بعض المناطق فى الجنوب اللبنانى، ثم انسحبت منها، وعاد وزير الدفاع الإسرائيلى ليصرح، أمس، بأن قواته عادت بعد ٢٦ عاما لتحتل مرة أخرى قلعة الشقيف، وأنه لن ينسحب إلا بعد «سحق قوة حزب الله».
ولأن الحكومة الإسرائيلية لا تعرف إلا لغة القوة الغاشمة والقتل والإبادة الجماعية، فإنها لا ترى فى حزب الله إلا تنظيما مسلحا يمثل تهديدا لأمنها وتعمل ليس فقط على استهداف عناصره، إنما أيضا مناصريه، وهى لا تميز بين المقاتلين والمدنيين كما تفعل فى غزة.
والحقيقة أن التحدى الذى لن تراه إسرائيل ليس فقط فى عناصر حزب الله المسلحة ولا فى حروب الإسناد التى خاضها من أجل غزة وإيران دون موافقة أغلب المكونات اللبنانية، إنما فى التأثير فى بيئة حزب الله المدنية وإقناع جانب كبير منها بجدارة الدولة فى حماية كل اللبنانيين لتضمن عدم عودتهم مرة أخرى لحمل السلاح.
والحقيقة أن نجاح مؤسسات العهد الجديد فى تنفيذ مشروع حصرية السلاح فى يد الدولة، والذى توافقت عليه مختلف المكونات اللبنانية لن يكون قرارا سهلا، خاصة فى ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ولكنه ليس مستحيلا، وهو شرط أساسى لكى يتجاوز لبنان محنته وأزماته، فهو لن يكون فقط قرارا عسكريا وأمنيا يخطط لها بشكل أفضل مما جرى قبل الحرب كما ذكر رئيس الحكومة، إنما يجب وضع خطة اجتماعية واقتصادية وسياسية لدمج جانب مؤثر من البيئة الحاضنة لحزب الله فى برامج تأهيل وفرص عمل وقيم مدنية وغرس مفاهيم الدولة الوطنية ومؤسساتها وعدم تحويل الخلاف السياسى إلى مباراة فى التخوين، والإيمان بمختلف جوانب الجمال الطبيعى والبشرى الموجودة فى لبنان، وهى كلها جوانب بعيدة عن مشروع ولاية الفقيه والدولة الدينية وبالطبع بعيدة عن أى مشروعات إسرائيلية تخص لبنان، والتى باتت تعتمد فقط القوة الغاشمة وجرائم القتل والتدمير.
إن العمل على تغيير بيئة حزب الله يجب أن يكون قضية لبنانية وعربية جامعة، وهى لا تعنى أن تكون كل هذه البيئة معارضة لحزب الله، إنما سيكون هناك مؤيدون له سياسيا ومعارضون أيضا من داخل بيئته الشيعية وخارجها، وأن يُفتح الباب بعد الانسحاب الإسرائيلى أمام نوع جديد من المقاومة المدنية والقانونية للسياسات الإسرائيلية، ويظل لبنان مهيا أكثر من غيره للقيام بها.