بقلم: عبد اللطيف المناوي
تملك مصر والسودان فرصة للخروج من أزمة حادث المنقّبين عن الذهب بتفاهم أقوى، إذا نجحتا فى الجمع بين كشف الحقيقة، وإنصاف المتضررين، وتطوير أدوات التعاون.. فالرد الأكثر تأثيرًا على استغلال الحادث لتوتير العلاقة هو أن يرى الشعبان خطوات مشتركة تحميهما، وتؤكد أن مصالحهما تُصان بالتنسيق والاحترام المتبادل. وثمة إشارات تستحق البناء عليها. دعا حاكم إقليم دارفور، منى أركو مناوى، عقب لقائه السفير المصرى، أمس الأول، إلى تبادل معلومات التحقيق وطمأنة أسر الضحايا، ورفض تعميم الاتهامات على الشعوب. وفى اليوم نفسه، أكدت الخارجية المصرية استمرار التنسيق فى الملفات الاستراتيجية، وترابط أمن البلدين. هذه أرضية مناسبة للانتقال إلى إجراءات ملموسة. تبدأ تلك الإجراءات بتعاون جاد فى التحقيق، يحدد الوقائع والمسؤوليات، ويعلن النتائج التى يمكن التحقق منها. التباطؤ والغموض يمنحان الروايات المتضاربة عمر أطول. أما الشفافية مع معالجة أى خطأ يثبت، فتمنح الأسر شعورًا بالإنصاف، وتساعد مصر على حماية موقفها من الاتهامات غير المثبتة. الثقة التى نحتاجها تُبنى على العدالة ووضوح المعلومات. وتواكب ذلك استجابة إنسانية مشتركة، تشمل علاج المصابين، والبحث عن المفقودين، والتواصل مع الأسر. ومن المهم أن تتصدر المواساة الخطاب المصرى، وأن تقترن بتوضيح الإجراءات. حماية السيادة والموارد حق أصيل، وتقديم الاهتمام بالأرواح يجعل الدفاع عن هذا الحق أكثر إقناعًا.
والخطوة الأبعد هى تفعيل آلية اتصال دائمة بين الجهات الحدودية والأمنية والعدلية، تتبادل المعلومات، وتعالج المشكلات قبل تفاقمها، وتضع ترتيبات واضحة للتحذير والإخلاء والتعامل مع المخالفات. وعلى السودان مسؤولية تنظيم نشاط مواطنيه وتوعيتهم بالحدود والمناطق الخطرة، فيما يتيح التنسيق لمصر تطبيق القانون مع تقليل المخاطر على المدنيين وصيانة اختصاصها السيادى.
كذلك تحتاج العلاقة إلى تواصل منتظم مع الجمهور، يتيح للصحافة معلومات دقيقة وإجابات عن الأسئلة المشروعة. فكل معلومة موثوقة تقلص مساحة الشائعة. ويمكن للمؤسسات الصحفية والإعلامية فى البلدين توسيع التعاون المهنى، والتحقق من الصور والروايات المتداولة، ورفض التعميم والإهانة. حماية كرامة المصرى والسودانى يجب أن تكون قاعدة ثابتة، داخل البلدين وعلى المنصات. وتكتسب هذه الخطوات أهميتها فى إقليم تتشابك فيه المصالح والخلافات. فالتوتر بين القاهرة والخرطوم قد يغرى أطرافًا بتوظيفه للضغط أو لتغيير الاصطفافات. ويستطيع البلدان تضييق هذه المساحة بالتشاور المباشر، والاتفاق على معالجة خلافاتهما عبر مؤسساتهما، وصون علاقتهما من التحول إلى أداة فى تناقضات الآخرين. اختلاف التقديرات الإقليمية يمكن إدارته مع استمرار الشراكة. ويمكن دراسة صيغ قانونية للعمل والتجارة والنشاط التعدينى، إذا ما سمحت التشريعات والأمن، بما يحفظ حقوق الدول والعاملين. فتنظيم المصالح يحد من الفوضى التى تسمح لشبكات الاستغلال بالتمدد، ويمنح المجتمعات الحدودية أسبابًا إضافية للاستقرار والتعاون.
نجاح مصر والسودان سيُقاس بقدرتهما على حماية الناس ومنع تكرار الحوادث، وبما تضيفه المعالجة إلى رصيد الثقة بينهما. حين يشعر المواطن بأن الدولة المجاورة شريك فى أمنه وكرامته تتراجع قدرة التحريض على التأثير. وعندها تصبح الأزمة بداية تعاون أعمق، وتكتسب العلاقة مناعة تصنعها المصالح العادلة والإجراءات المسؤولة.