بقلم: طارق الشناوي
قبل أعوام قلائل، أصبح يوقّع المقالات التى تحمل اسمه فى الأهرام ثلاثيا (أحمد عاطف درة)، لم أسأله عن السبب، فى إضافة (درة)، لأننى توقعت الإجابة، وهى أن عددا كبيرا من الزملاء فى الجيل التالى صاروا يتشابهون معه فى الاسم، وهو يخشى أن يحدث خلط.
تعوّدنا الاسم الجديد.. إلا أنه ظل بالنسبة لى وأيضا لكل جيلى (عاطف)، لا يسبقه أحمد، ولا يأتى بعده درة.
نلتقى سنويًا فى مهرجان (كان) على مدى يتجاوز ٢٠ عاما. بيننا مناقشات يومية، وغالبا نستقل نفس الطائرة.. بينما من النادر أن نلتقى فى القاهرة. بيننا علاقة دافئة، لا أطلق عليها صداقة، إلا أنها تعلو أيضا على درجة الزمالة.
عندما لا حظت أنه فى السنوات الأخيرة يكتب فى الأهرام مقاله الأسبوعى كل خميس، ويحمل تحليلا للنفس البشرية، مبتعدا عن التشابك اليومى مع الأحداث والذى تفرضه علينا الصحافة بإيقاعها السريع، تواصلت معه وهنأته على تلك الجرأة الممزوجة بالقدرة، كيف يمكن لكاتب فى جريدة يومية بعراقة الأهرام أن يتحرر من هذا الإيقاع الصارم، سابحا فى أعماقه، يلتقط كل ما يستحق الرصد والتحليل.. أتذكر مقالات تحمل عناوين (الجنة داخل قلبك)، (علاجات زهرة باخ)، (إزالة عوائق العقل)، وظل حتى اللحظة الخيرة يرسل مقاله الأسبوعى، ومن الواضح أنه كان بصدد إصدار كتاب يضم بين دفتيه تلك الأفكار الخارجة عن قواعد صندوق النقد الفنى، الذى كان يمارسه على مدى تجاوز ثلاثة عقود من الزمان.
عاطف تمتع بقدر كبير من الجرأة، كتب وأخرج وأنتج أفلامه السينمائية الخمسة: (عمر ٢٠٠٠) و(إزاى البنات تحبك) و(الغابة) و(قبل الربيع)،(باب شرقى)، لم تعوقه أى حواجز مادية.
أتذكر عام ٢٠٠٨، بينما الإعلامى والمنتج الكبير عماد الدين أديب يعرض فى سوق مهرجان (كان) فيلمه (ليلة البى البى دول)، مصطحبا معه عشرات من النجوم والقنوات الفضائية بطائرة خاصة وإقامة كاملة فى فندق خمس نجوم، كان اسم (بى بى دول) يطالعك فى كل مكان على شاطئ (الريفييرا) ولا تهتم الفضائيات العربية سوى بـ( بى بى دول)، كما أن عماد تمكن من تأجير سلم القاعة الكبرى (لوميير)، حتى يسمح لفريق الفيلم بالصعود والتصوير، وكانت تصطحبهم لزوم الفخامة والوجاهة سيارات (رولزرايس)؛ حيث تنتشر الكاميرات لترصد تلك اللحظة التاريخية، أو بالأحرى ما تم تصديرها للرأى العام باعتبارها لحظة توقفت فيها عقارب ساعة التاريخ عن الدوران.
ما الذى فعله أحمد عاطف؟ استطاع هو أيضا أن يحجز لنفسه ولفيلمه موعدا فى سوق مهرجان كان، وتمكن من الحصول على ثلاثة مقاعد فى قاعة لوميير الكبرى، وبإمكانيات محدودة جدا استطاع أن يحجز لبطلتى الفيلم ريهام عبد الغفور وحنان مطاوع مقعدين فى الطائرة، غالبا (سياحى)، وفى فندق أتصور أنه لا يمكن أن يتجاوز نجمتين، ووقف على سلم (لوميير) مرتديا الاسموكينج، بينما ريهام وحنان بملابس السهرة، ونشر صورته فى كل المطبوعات، وتابعته أيضا كل الفضائيات العربية، ويومها كتبت على صفحات جريدة (صوت الأمة) إن أحمد عاطف وريهام وحنان ركبوا (التوكتوك) بدلا من (الرولزرايس) ووصلوا ببضعة جنيهات قليلة للسجادة الحمراء فى (كان).. وكلما التقينا كنا نتذكر هذا الموقف ونضحك، وداعا «أحمد عاطف درة» ثلاثيا كما أردته أن يكون!.