بقلم: سليمان جودة
انشغل الناس بحديث الرئيس الأمريكى المفاجئ عن مفاوضات مثمرة مع ايران، ولم يلتفت أحد إلى تفصيلة فى خلفية المشهد، تبدو وكأنها هى الأساس، لا المشهد ذاته !
التفصيلة سمع بها العالم على استحياء، وغطت عليها الأخبار المتضاربة بين الإيرانيين والأمريكيين.. فما يعلنه كل طرف منهما ينفيه الآخر، ولا يعرف المتابع مَنْ يصدق.. فأنت إذا صدقت الرئيس ترامب ستكتشف أنه اشتهر منذ عودته للبيت الأبيض بأنه يقول الشيء وعكسه، أو يقول الشيء ويفعل ما هو ضده، وعليك بالتالى أن تتحسس رأسك كلما سمعت منه شيئاً.
أما الطرف الإيرانى فعنده مبدأ شهير اسمه « التقية »؛ وهو يعطيه رخصة بأن يقول الشيء ثم يُبطن العكس !.. ولا تعرف بالتالى أيضاً كيف أو متى تصدقه!
هذا كله غطّى ويغطى على التفصيلة إياها التى هى أهم ما فى المشهد، أو هى أهم منه ومن تفاصيله الكثيرة، وأقصد بها عقود البترول التى بيعت فى الأسواق العالمية قبل إعلان ترامب عن وجود مفاوضات مثمرة بربع ساعة !.. ورغم أن صحيفة «الفاينانشيال تايمز» البريطانية هى وحدها التى أشارت إليها، إلا أن النبأ صار من بعدها كأنه حجر جرى إلقاؤه فى مياه ساكنة، فأحدث دوائر راحت تتسع من وراء دوائر فى اتجاه الشاطئ.
الصفقة التى تمت بها العقود بلغت ٥٨٠ مليون دولار، وإذا كان سعر النفط قد هبط ١٥ ٪ بمجرد إعلان ترمب عن المفاوضات المثمرة، فهذا معناه أن أصحاب صفقة الربع ساعة ربحوا ما يقرب من مائة مليون دولار، وقد جرى ذلك فى دقيقة واحدة قيل إن البيع تم خلالها!.
أصابع الاتهام وصلت البيت الأبيض نفسه، لأن ما حدث يعنى أن تغريدة ترامب على منصته الخاصة «تروث سوشيال» عن المفاوضات المثمرة سرّبها «شخص ما» إلى أصحاب صفقة الربع ساعة، فباعوا فى دقيقة واحدة، وربحوا مائة مليون دولار فى الدقيقة نفسها!.
ولم يجد كوش ديساى، متحدث البيت الأبيض، مفراً من الحديث إلى الإعلام عن أن الرئيس لا يسمح باستغلال المسؤولين معلومات داخلية لتحقيق مكاسب غير مشروعة. وهذا طبعاً مجرد كلام لذر الرماد فى العيون؛ لأن الأمانة تقتضى إجراء تحقيق فورى ومعلن عمَنْ سرّب ما كتبه الرئيس على منصته، وعن علاقة المُسرب بالذين باعوا وربحوا المائة مليون دولار!.
الخلاصة فى المشهد على بعضه؛ أن المفاوضات التى وصفها ترامب بأنها «مثمرة» لم تثمر فى الحقيقة إلا فى جيب الذى سرّب، ثم فى جيوب الذين باعوا وربحوا المائة مليون دولار!.. أما الذين سقطوا ويسقطون ضحايا للحرب هنا فى المنطقة، فلا عزاء لهم!.