أسوأ ما تعانى منه الدول فى العالم التعايش السلمى مع الفساد، عندما تقتل الدهشة فى العيون وينسى اللسان فى لحظة كل حروف الأبجدية، فهذا لا يعنى سوى شىء واحد أننا نصعد بخطوات ثابتة نحو الهاوية، توقف المخرج خالد دياب عند تلك الظاهرة، التى باتت تشكل جزءًا من الثقافة العامة تخنقنا وتزداد إحكامًا على رقابنا.
قبل عام تابعنا كيف أن الأهالى تجمعوا حول الأستاذة المشرفة على الامتحان يريدون الفتك بها لأنها رفضت السماح بالغش، تكاثروا عليها وبعضهم تطاول على دينها، ولا أتذكر مثلًا أن وزير التعليم استقبلها وكرمها، أو شيح الأزهر الشريف أصدر بيان اعتذار، يُبرئ فيه ساحة الإسلام من التطاول على الآخرين، مرَّ الأمر بردًا وسلامًا بعد أن بات يشكل جزءًا معتبرًا من ثقافتنا التى أصابها هذا المرض العضال، أقصد به (موت الدهشة).
الكاتب والمخرج خالد دياب قدم قبل نحو ٦ سنوات فيلمه الجرىء (طلق صناعى)، وواجه الفيلم الكثير من التعنت الرقابى ولكنه فى النهاية تمكن من النفاذ، بعد أن لاحقه اتهام صار لصيقًا بكل من يقدم رؤية جادة لحال المجتمع وهو (الإساءة لسمعة مصر).
القيود الرقابية فى الأعوام الأخيرة ازدادت إحكامًا على رقبة الفن، كما أن المجتمع المتحفظ بطبعه صار أيضًا متحفزًا ضد أى محاولة للخروج عن النمط السائد.
فيلم (برشامة) ينتقل فيه المخرج من الحصار داخل السفارة الأمريكية، (طلق صناعى) إلى الحصار داخل حجرة الامتحانات، الشريط تأليف أحمد الزغبى مع الأخوين (دياب) شيرين وخالد، يتكئ على فكرة لامعة قطاع من المصريين يشكلون فئات متعددة فى الوطن مختلفى الأعمار والأنماط والمشارب، فى امتحان (ثانوية عامة) منازل، حيث يسمح للجميع باجتياز الامتحان، السيناريو يمنح خيطين رئيسيين مساحات أكبر، قبل أن يتم احتجاز الجميع داخل حجرة الامتحان فى المدرسة، وهما هشام ماجد وريهام عبدالغفور، كل منهما فى طريقه للامتحان، هشام شخصية متزمتة دينيًا، كاره للمرأة، يرى الحرام فى أى شىء خارج عن قراءة القرآن والأذكار، ريهام راقصة درجة ثالثة، يلتقيان داخل ميكروباص، طبعًا الراقصة درجة ثالثة مفروض أنها قادرة على أن تستقل كحد أدنى «تاكسى»، ولكن كان ينبغى أن يلتقيا فى الميكروباص، مصطفى غريب ابن العمدة باسم سمرة، مصطفى الطالب الفاشل فى كل شىء، مفارقات بينه وبين أستاذ اللغة العربية ميشيل ميلاد، وتتعدد أنماط الذين تجمعهم غرفة الامتحان، والهدف واحد حتى السيدة عارفة عبدالرسول التى تجاوزت السبعين لديها أمل أن يزداد نصيبها من المعاش بعد حصولها على الثانوية العامة مثلما يحدو الأمل رغبة أصغر المشاركات فاتن سعيد.
الأستاذ المشرف على الامتحان، الرجل الشريف، هو الوحيد الذى يتصدى للفساد، كمال أبورية، غير قادر على الكلام بعد إصابته فى صدره أعقاب تداعيات كورونا، وفى النهاية وفى إحدى محاولاته لمواجهة الغش يفقد حياته، إلا أنهم يتمسكون بتواجده فهو يوفر لهم الحماية لاستكمال اللعبة، المعنى قدمه خالد دياب ومرره بقدر كبير من خفة الظل والدهاء، موت الإنسان الوحيد الذى لم يتلوث، أو بالأحرى الذى لم يقبل التعايش مع الفساد.
المدرسة التى جرى فى أحد فصولها الامتحان تُحاصر من كل الاتجاهات، والعمدة باسم سمرة يقرر أن ينتقل لأرض المعركة لمؤازرة ابنه.
معدلات الضحك تتباين فى العديد من المواقف، هناك ضحكات غليظة أو حتى أكون صادقًا معكم أنا أراها غليظة بل ومنفرة، لا أنكر أن القسط الأكبر من الجمهور فى الصالة يفضلها هكذا، ويعلو صوته أيضًا بالقهقهة، مثل مشاهد التنظيف عبر دورات المياه أو استخدام شراب منفر الرائحة أو ملابس داخلية بنفس الكيفية، كانت تُضحك الجمهور لا أُنكر ذلك، ولكنها تتعارض مع روح الكوميديا التى أرى أنها يجب ألا تستخدم تلك الأسلحة (المحرمة) والتى تشبه فى نفورها (كوميديا العاهات).
موسيقى تامر كروان للمرة الثانية فى أقل من شهر تستوقفنى، هكذا وجدتها مبدعة مع (حكاية نرجس)، وتكرر الأمر مجددًا، مع (برشامة)، من الشخصيات التى كتبت على الورق بقدر من التفرد حاتم صلاح الذى خرج أيضًا من رمضان الماضى بعد مسلسل (إفراج)، وهذه المرة أبدع فى أداء دور البلطجى، ريهام عبدالغفور راقصة درجة ثالثة، تحاول أن تجذب الجميع بأنوثتها الزاعقة، ريهام تحرص فى أداء تلك الشخصية على مراعاة كل الممنوعات التى تفرضها فى كل أدوارها، المنهج الذى يحكم قانون الفيلم هو كوميديا (الفارس)، والذى يعنى (الحشو)، هشام ماجد الاسم الذى يتصدر الأفيش والتترات، ورغم ذلك نحن بصدد بطولة جماعية، حاليًا هشام أحد أكبر نجوم السينما المصرية تحقيقًا للإيرادات فى الداخل، كما أنه عربيًا يحقق القدر الأكبر فى التوزيع الخارجى، خاصة فى المملكة العربية السعودية، التى باتت فى السنوات الخمس الأخيرة تشكل بنسبة كبيرة- بسبب ارتفاع الإيرادات- توجه ترمومتر الأفلام المصرية.
هشام من مدرسة الهمس الفنى فى الأداء، كما أنه يمنح من يقفون معه كل أسباب التفوق، أدى دور المتزمت دينيًا الذى يعتبر المرأة بمجرد الحديث معها تشكل معصية، إلا أنه فى المشهد الأخير، وعلى طريقة شفيق نور الدين فى (مراتى مدير عام) يعلنها أن أبوحنيفة قال إن السلام على المرأة لا ينقض الوضوء، ويهجر تزمت (ابن حنبل) فى علاقته بالمرأة.
هل قال الفيلم كل شىء؟، المفروص أن مثل هذه الأعمال تفتح الباب لكل التنويعات وتضع كل الشخصيات فى مرمى الانتقاد، ولكن بسبب القيود الرقابية لم يستطع الاقتراب من الجميع.
شاهدت الفيلم ليلة الوقفة مع الجمهور وكلى رغبة وأمل فى سقف كوميدى عالٍ، المخرج والأبطال والفكرة يمنحوننى خيالًا مرتفعًا من التوقع، تابعت مواقف عدد منها مستهلك وأخرى مفتعلة، ومحاذير مفروضة ضمنيًا تحول دون منح الفرصة للخيال حتى لا يصطدم بسقف المسموح، ورغم ذلك فهو طبقًا لما نعرفه عن السينما والجمهور أخذ القسط الأكبر من العيدية، وبفارق شاسع، ونكمل قريبًا رحلتنا مع باقى أفلام العيد!!.