بقلم:عمرو الشوبكي
كثيرا ما قال البعض تعليقا على إمكانية تغيير سلوك وتوجهات النظام الإيرانى بإنه «نظام عقائدى» لن يتغير، وهو تصور لا يبدو صحيحا على ضوء تجارب «عقائدية» سابقة ثبت أنها تتغير وأحيانا تراجع نفسها وفى أحيان ثالثة لفت ودارت من أجل الحفاظ على بقائها خاصة إذا شعرت أن التهديدات التى تواجهها «وجودية» أو حست أن مشروعها «العقائدى» لم يعد قادرا على تحقيق أى نجاح.
والحقيقة أن تجارب التنظيمات العقائدية تقول إن كثيرا منها تغير وبعضها بقى على حالة، فحركة طالبان تغيرت فى بعض الجوانب فى حكمها الثانى مقارنة بحكمها الأول قبل الاحتلال الأمريكى فى ٢٠٠١، صحيح ظل جوهر موقفها من المرأة ومن طبيعة نظامها الداخلى على حاله، ولكنها تغيرت بعد أن وعت ثمن الحرب والاحتلال الأمريكى، وفكت تحالفها مع تنظيم القاعدة ولم تعد لها رسالة عنف للعالم الخارجى وأصبحت حكما محليا، أما سوريا فنحن أمام نموذج حى لتحولات عميقة وربما جذرية فى مشروع وخطاب الفصائل الإسلامية المسلحة التى حاربت نظام بشار الأسد وأسقطته. فمن جبهة النصرة التى كانت جزءا من تنظيم القاعدة إلى هيئة تحرير الشام التى انفصلت عنه إلى استعداد القيادة الجديدة لحل هيئة تحرير الشام تماشيا مع المرحلة الجديدة، كل ذلك يعكس حجم التخلى عن الولاء المطلق للتنظيم (اسما ومضمونا)، وبات من الوارد أن تؤسس تجربة سياسية تتجاوز المشاريع العقائدية لتيارات الإسلام السياسى وتسعى للاندماج فى المنظومة الدولية وتبنى علاقتها الخارجية على أساس المصلحة وليس العقيدة والأيديولوجية.
مبدأ التغيير وارد فى تجارب التنظيمات العقائدية سواء كانت تستند إلى مرجعية دينية أو مدنية، ومن هنا فمن حيث المبدأ يمكن لنظام عقائدى مثل النظام الإيرانى أن يتغير، ولكنه لن يكون بسبب مراجعة فكرية منفصلة عن السياق المحيط به ونتائج الحرب الحالية، التى يمكن أن تدفع إيران إلى تقديم تنازل سياسى عميق وتقبل بتجميد مشروعه النووى، وأن غريزة بقاء أى نظام عقائدى أو غير عقائدى ستدفعه للتعامل بمرونة مع الواقع الجديد، حتى لو كان هذا التغير نوع من المناورة أو «التقية» تحت وطأة تغير الظروف والسياق المحيط.
المطلوب ببساطة جعل هذا السياق المؤقت واقع مستمر بحيث تكون هناك صياغة جديدة للنظام الإيرانى تحفظ له وجوده ومؤسساته وتطوع جوانب كثيرة فى توجهاته حتى يصبح جزءا من المنظومة الدولية وتكون معارضته لها من داخلها مثل دول كثيرة وليس من خارجها كما فعل فى السنوات الماضية.
مبدأ قبول تغيير النظم أو التنظيمات العقائدية صحيح لكنه يحتاج لظروف محيطة واعتبارات سياسية واقتصادية لإحداث هذا التغيير، وفى حالة إيران فرغم البعد العقائدى لنظامها إلا إنه يتسم بالعملية الشديدة وبالقدرة على المناورة والتقدم والتراجع دفاعا عن مصالحه الوطنية البحتة.