بقلم:خالد منتصر
لا تندهش، فالرحم فعلًا كان مكروهًا ومتهمًا طوال التاريخ، وعانى من نفس القدر الذى فرض على الأنثى، وتعرض لنفس الظلم، حتى الطب ظلم الرحم، لم يكن الرحم فى التاريخ الطبى مجرد عضو من أعضاء الجسد ينتمى لعالم التشريح، بل تحوّل عبر قرون طويلة إلى مجرم، ولوحة تنشين جاهزة، وشماعة تعلق عليها أسباب كل ما استعصى على الفهم من أعراض نفسية وجسدية لدى النساء، إنه انعكاس عميق لتداخل الطب مع الثقافة والخرافة والتصورات الاجتماعيةعن المرأة، فمنذ العصور القديمة، ساد الاعتقاد بأن الرحم كيان شبه مستقل داخل الجسد، قادر على الحركة والتأثير، وهو ما عُرف بنظرية «الرحم المتجول»، اعتقد الأطباء فى الحضارة اليونانية، وعلى رأسهم أبقراط، أن الرحم إذا لم يؤدِ وظيفته الطبيعية فى الحمل والإنجاب، فإنه يبدأ فى التجول داخل الجسم، صعودًا وهبوطًا، مسببًا أعراضًا مثل الاختناق والدوخة والتشنجات والقلق،ومن هنا نشأ مصطلح «الهستيريا»، المشتق من الكلمة اليونانية «هستيرا» التى تعنى الرحم، فى دلالة واضحة على ربط الحالة النفسية للمرأة مباشرة بهذا العضو، لم يتوقف الأمر عند التشخيص، بل امتد إلى طرق علاج تكشف حجم الخيال المريض المؤمن بالخرافة، الذى كان يُنظر به إلى الجسد الأنثوى، فقد تصور الأطباءأن الرحم يمكن توجيهه كما لو كان كائنًا حيًا يستجيب للمؤثرات الحسية، فابتكروا ما يشبه «العلاج بالروائح»، كانوا يضعون روائح عطرة عند الجزء السفلى من الجسد لجذب الرحم إلى موضعه الطبيعى، وفى الوقت نفسه يضعون روائح كريهة قرب الأنف لدفعه إلى النزول إذا صعد إلى أعلى،وكأن الرحم يتحرك وفق بوصلة متعلقة ببصيلات الشم!، كما اعتُبر الزواج والنشاط الجنسى وسيلة علاجية أساسية، إذ كان يُعتقد أن «إشباع» الرحم يثبته فى مكانه ويمنع اضطرابه، ولذلك كان يُنصح النساء بالزواج المبكر والحمل المتكرر بوصفهما ضرورة طبية لا مجرد خيار اجتماعى، وفى بعض الفترات، استُخدمت التدليكات الجسدية والعلاجات الموضعية بهدف «تفريغ التوتر» المرتبط بما كان يُظن أنهاحتقان فى الرحم، بينما كانت العزلة والراحة تُفرض أحيانًا على النساء ليس بدافع علاجى حقيقى، بل كوسيلة لضبط سلوك يُعد غير مألوف، فى العصر الرومانى، عزز جالينوس هذه الأفكار وأضاف إليها تفسيرًا قائمًا على احتباس السوائل الأنثوية، معتبرًا أن عدم تصريفها يؤدى إلى اضطرابات جسدية ونفسية، ومع مرور الوقت، ترسخت هذه التصورات لتصبح شبه مسلّمات طبية، رغم افتقارها لأى أساس علمى حقيقى. لكن التحول الأخطر جاء فى العصور الوسطى، حين خرجت هذه الأفكار من إطار التفسير الطبى إلى الاتهام الأخلاقى والدينى، فاختلطت أعراض ما كان يُسمى بالهستيريا بفكرة المس الشيطانى أو السحر، وأصبحت المرأة التى تعانى من اضطرابات نفسية موضع شك، بل واتهام، مما أدى فى كثير من الحالات إلى تعذيبها أو إعدامها تحت غطاء محاربة السحر، ومطاردة الساحرات فى أوروبا يحتاج إلى مقال مستقل، وللأسف وبرغم التقدم فى الفهم الطبى فى القرن التاسع عشر، استمر الربط الضمنى بين الأنوثة والمرض، بل وصل الأمر إلى إجراء عمليات استئصال للرحم أو المبيضين كعلاج لحالات نفسية، فى واحدة من أكثر صفحات الطب قسوة وعنصرية وإثارة للجدل، لم يبدأ هذا البناء الفكرى فى الانهيار إلا مع تطور علوم الأعصاب والهرمونات فى القرن العشرين، حين أصبح واضحًا أن الأمراض النفسية لا علاقة لها بحركة الرحم أو بوظيفته الإنجابية، وأن ما كان يُسمى «الهستيريا» ليس مرضًا واحدًا، بل مجموعة من الاضطرابات المختلفة التى تحتاج إلى فهم دقيق وتشخيص علمى، تدريجيًا، تم التخلى عن المصطلح نفسه وتضييقه، واستُبدل بتشخيصات أكثر تحديدًا مثل اضطرابات القلق والاكتئاب، تكشف لنا تلك القصص، أن المشكلة لم تكن فى الرحم ذاته، بل فى الطريقة التى نظر بها الإنسان إلى جسد المرأة، فقد أدى نقص المعرفة العلمية، إلى جانب هيمنة تصورات ثقافية اختزلت المرأة فى دورها الإنجابى، إلى تحويل عضو طبيعىإلى مصدر اتهام دائم.
كما لعب الخوف من استقلال المرأة وخروجها عن الأدوار التقليدية دورًا فى تفسير سلوكها بوصفه مرضًا يحتاج إلى ضبط وعلاج، وهكذا، أصبح الطب فى بعض مراحله أداة لتنظيم المجتمع بقدر ما هو وسيلة للعلاج، قصة «الرحم المتجول» ليست مجرد خطأً علمى عابر، بل هى تكشف كيف يمكن للعلم أن ينحرف عندما يمتزج بالتحيزات الثقافية.