بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى لحظات التحول الكبرى فى التاريخ، لا تكون الهزيمة دائمًا هى الخطر الحقيقى على الإمبراطوريات، بل أحيانًا يكون النصر نفسه هو بداية التراجع. هذا المعنى أعاد طرحه بوضوح الكاتب البريطانى لارى إليوت، فى مقاله بصحيفة «الجارديان»، حين شبّه الحرب الجارية مع إيران بإحدى أكثر اللحظات دلالة فى التاريخ البريطانى «حرب البوير»، بوصفها نموذجًا لـ«النصر الأجوف» الذى يكلّف أكثر مما يمنح.
حرب البوير (١٨٩٩– ١٩٠٢) اندلعت بين الإمبراطورية البريطانية ومستوطنى البوير فى جنوب أفريقيا. فى بدايتها، بدت الحرب محسومة سلفًا ولن تستغرق سوى أسابيع. لكنها تحولت إلى استنزاف طويل، اعتمد فيه البوير على تكتيكات حرب العصابات، ما أربك الجيش البريطانى وأجبره على نشر قوات ضخمة، واستخدام سياسات قاسية مثل معسكرات الاعتقال للمدنيين، الأمر الذى أثار موجة انتقادات أخلاقية دولية. انتهت الحرب بانتصار بريطانيا، لكنها خرجت منهكة، وقد تضررت صورتها العالمية، وبدأت تتكشف حدود قدرتها على فرض إرادتها، فى لحظة تاريخية كانت تشهد صعود قوى جديدة كأمريكا وألمانيا.
المواجهة مع إيران، التى كان يُفترض أن تكون سريعة وحاسمة بفعل التفوق العسكرى الأمريكى والإسرائيلى، تحمل مؤشرات على أنها تتحول إلى صراع أطول وأكثر تعقيدًا. إيران لا تواجه القوة بالقوة التقليدية، بل بمنطق الاستنزاف، وتوسيع نطاق التوتر إقليميًا. وهى بذلك ترفع كلفة الحرب إلى حد يجعل «النصر» عبئًا.
ساحة المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية. فتعطّل حركة الملاحة فى مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط والغاز، لا يمثلان مجرد آثار جانبية، بل أدوات ضغط استراتيجية. التاريخ الاقتصادى يوضح أن كل صدمة كبيرة فى أسعار الطاقة تبدأ بتضخم، ثم تنتهى بركود. وهذا ما حدث بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، حين أدى ارتفاع أسعار النفط إلى إنهاء حقبة الازدهار الاقتصادى الطويل.
قد تحقق أمريكا أهدافها العملياتية، وقد تثبت تفوقها العسكرى، لكن إذا جاء ذلك على حساب اضطراب اقتصادى عالمى، وضغوط داخلية متزايدة، وتآكل فى صورتها كقوة قادرة على الحسم السريع، فإن النتيجة تقترب كثيرًا من نموذج «النصر الأجوف». وهو نصر لا يُقاس بنتائج المعركة، بل بما يتركه من آثار على مكانة الدولة فى النظام الدولى.
المفاضلة الآن إما إنهاء الحرب سريعًا مع قبول واقع سياسى غير مكتمل، أو الاستمرار فى صراع قد يتحول إلى استنزاف طويل. كلا الخيارين يحمل كلفة، لكن الثانى يفتح الباب أمام سيناريو تاريخى مألوف، انتصار عسكرى يكشف حدود القوة بدل أن يؤكدها.
الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالتآكل حين تتحول قدرتها على الانتصار إلى عبء. والسؤال الذى يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على كسب الحرب، بل ما إذا كان هذا الكسب، إن تحقق، سيعزز مكانتها، أم سيكون، كما كانت حرب البوير لبريطانيا، بداية كشف حدودها.