وجعنا السنويّ مع «نوبل»

وجعنا السنويّ مع «نوبل»...

وجعنا السنويّ مع «نوبل»...

 العرب اليوم -

وجعنا السنويّ مع «نوبل»

بقلم : د. آمال موسى

هناك موعدٌ سنوي مع الوجع في الحقل الأدبي العربي. جرحٌ ينزف لأيام ثم يهدأ: كلما اقترب موعد جوائز نوبل، وتحديداً جائزة نوبل للآداب، يكبر الأمل من جديد، ثم يعانق الخيبة والمرارة اللتين يتم تصريفهما في تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفه نوعاً من التنفيس والمعالجة الذاتية.

ماذا لو حاولنا عقلنة هذا الوجع الذي يتجه نحو جائزة واحدة من الجوائز الخمس بشكلٍ يكشف عن شعور عميق بأن الأدب شأنٌ عزيز على العرب، وتربطهم به وشائج قربى تاريخية عميقة. لنعترف بأننا أمام شعور مشروع جداً؛ فالشعر عند العرب يُمثل ظاهرة ثقافية وتاريخية فريدة، تم تنزيله منزلة «الديوان»، أي السجل الجامع لكل ما يخص الإنسان العربي في حلّه وترحاله، فدوَّن فيه أفكاره، وعاداته، وأنسابه، ووقائعه التاريخية، وقصص الحبّ والفخر والرثاء والهجاء.

ملخص هذه اللمحة التاريخية الخاطفة هو أن فن الشعر، وما يرافقه من فنون اللغة، يُمثل مورداً ثقافياً وإبداعياً من موارد الاعتزاز الثقافي، ويحزّ في نفوس الشعراء العرب ومريدي الكتابة الإبداعية أن يتم وضعهم على الهامش، وكأنهم أبعد ما يكونون عن الشعر، أو كأن نصوصهم لا ترتقي لجائزة نوبل للآداب.

إذن، هناك عامل العلاقة التاريخية التراكمية العميقة بالافتتان باللغة والقول والكتابة. لنلاحظ أنه رغم كل الركود العلمي، والإخفاق الاقتصادي، والمشكلات التنموية التي عرفتها غالبية الشعوب العربية على امتداد عقود، فإن الأجيال ظلَّت تكتب الشعر، وتحاول السرد من دون انقطاع، بل إنه في لحظات التقهقر يكبر الإقبال على الأدب، بغض النظر عن أحقية الجميع في الإبداع. أيضاً، حصل استثناء وحيد يتمثل في فوز الروائي الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، وذلك تقديراً لأعماله الأدبية، وعلى رأسها «الثلاثية» و«أولاد حارتنا». بدوري، أتذكر هذا الحدث جيداً، وكم كانت فرحة الشعوب العربية كبيرة جداً بالحصول على تلك الجائزة! كما أتذكر أنها كانت آخر مظهر للفرح والفخر استمتع به العرب، قبل أن ندخل في نفق تاريخي جديد في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي ككل؛ حيث انطلقت حرب الخليج الأولى في بداية التسعينات، ومعها بدأ المنعرج الذي ما زالت فصوله تُصاغ إلى اليوم.

لقد كسر نجيب محفوظ حاجز الصمت، وبثّ قليلاً من الحرارة في الجليد المتراكم بين الأدب العربي وهذه الجائزة الأكبر والأقوى في تاريخ الجوائز العالمية. وحتى الذين حاولوا التشكيك في الجائزة، وربطِ حصول نجيب محفوظ عليها تحديداً بمبادرة مصر للسلام، لم تنجح محاولاتهم؛ لأن هناك شعوراً باستحقاق النص الإبداعي العربي للجائزة، ولقيمة نجيب محفوظ أيضاً.

ما يجعلنا أمام وجع يتميز بالمشروعية الأدبية هو أنه، بالفعل، لدى العرب قامات تُجيد صنع الدهشة في الشعر والسرد. أسماءٌ عدة لديها الجرأة، وذات لغة وأدوات فنية مبتكرة، فقط الذين لا يقرأون ينكرون على الأديب العربي قيمته العالية. ومن فرط اكتظاظ القوائم بالقامات، فإننا نتجنّب ذكرهم، والاكتفاء بالاسم الذي يحب الكثيرون الدفاع عن استحقاقه لجائزة نوبل للآداب، حتى إنه بات خلاصة هذا الوجع الدوري العابر والعائد. وطبعاً، هذا الشاعر هو أدونيس الذي أخذ الشعر العربي إلى مناطق مبتكرة جمالياً ومعنىً.

إلى حد الآن، حاولنا إعطاء هذا الجرح حقه بتحديد مسوغاته. ولكن، باعتبار أننا حمّلنا أنفسنا مشقة عقلنة هذا الوجع السنوي فإنه لا مفر في المقابل من الاعتراف بأن هذا الجرح يتجاهل واقع الأدب والثقافة في غالبية بلداننا؛ حيث ميزانيات الثقافة هي الأضعف، ودور النشر غرقت في مشكلات غلاء الورق وتكاليف التوزيع، واستسلمت لواقع العزوف عن المطالعة، وباتت بلا مشروعات، خلافاً لريادة دور النشر في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات في قيادة عالم القراءة والكتابة وصناعة الرموز في الشعر والسرد والنقد والفكر.

ففي فضاءٍ ثقافي عربي ضعيف الإيمان بصناعة الكتاب والنجوم، ولا يراهن على أهمية الإبداع في حماية شعوبنا من القبح والعنف والنظرة الواحدة، لا يمكن أن نكون رقماً في عالم الإبداع والثقافة، حتى لو كنا في غاية القدرة على الإبداع. فالمسألة تشترط منظومة كاملة ومتكاملة، ونحن في واقع لا يناضل فيه غير المبدع نفسه؛ وحده يسوّق لنصّه ويطرق الأبواب، ويطلبُ -على حساب كرامته الإبداعية- من صديقٍ بعيد أو قريب أن يترجم له قصيدة أو قصة قصيرة هكذا بوصفها هدية.

لن نصنع نجوماً بالعلاقات والمجاملات والمكائد. ولكي نجلس على طاولة الإبداع العالمي نحتاج إلى كل تلك العوامل التي جعلت هناك طاولةً وحولها كبار. ليس بهذه الملامح السلبية المنفّرة سيتحصّل مبدعونا الكبار نصوصاً على جائزة نوبل، ولا غيرها من الجوائز المرموقة الأقل. فنحن نملك مبدعين، ولا نملك منظومة داعمة.

arabstoday

GMT 10:30 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

خنساء كندا

GMT 10:26 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟

GMT 10:17 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الصين واليمن... من جديد

GMT 10:04 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

التسابق على استهداف الدول العربية!

GMT 09:43 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

نزوة الإبادة المتأصلة

GMT 09:39 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حزمة من المشكلات

GMT 09:23 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الترهيب بالذاكرة... الخوف بديلاً من الاغتيال

GMT 04:59 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مصر أكبر من كل شىء

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وجعنا السنويّ مع «نوبل» وجعنا السنويّ مع «نوبل»



أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة ـ العرب اليوم

GMT 09:00 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

ثروة إيلون ماسك تتراجع 17.6 مليار دولار في يوم واحد

GMT 21:04 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ماكرون والشرع يبحثان إعادة إعمار سوريا وتنويع مسارات الطاقة

GMT 06:23 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

كيت ميدلتون والأميرة شارلوت تستقلان قطار الأنفاق في لندن
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab