بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
فكرة العقد الاجتماعى التى تُستدعى عادةً لتفسير أو فهم طبيعة بعض أنظمة الحكم هى فكرة قديمة تعود بداياتها الأولية إلى إيناسو سلفيوس (1405-1464) الذى رأى أن الأفراد فى بداية الحياة على الأرض كانوا يعيشون على طبيعتهم، ولكن احتدام الصراعات بينهم اضطرهم إلى إنشاء مجتمعات لتنظيم العلاقات بينهم فى إطار عقد اجتماعي، تصور أنهم أبرموه لهذا الغرض وترتب عليه وجود سلطة. لكن البداية الجديدة لهذه الفكرة كانت مع المفكر الإنجليزى توماس هوبز (1588-1679) الذى ذهب إلى مدى أبعد فى تصوره لطبيعة السلطة التى نتجت من إبرام العقد الاجتماعى المتخيل. فقد تصور أنها سلطة مطلقة قوية مثل وحش خرافى يشبه التنين «ليفياثان». وجعل هذا الوحش عنوانا، لكتابه الصادر عام 1651 «ليفياثان: مسألة شكل وقوة الكومنولث الدينى والمدني». فقد عاش هوبز وسط صراع دينى عنيف مزق مجتمعات أوروبية وأضعف السلطة فيها، فصارت عاجزة عن حماية الناس, فمضى مع الفكرة التى شاعت حينذاك وهى أن مرحلة الحياة الأولى شهدت صراعات لا نهائية. ولكن عندما طرح جون لوك (1632-1704) تصوره للعقد الاجتماعى ذهب فى اتجاه مختلف، إذ رأى أن حالة الطبيعة الأولى لم تكن حالة صراع وحروب هوجاء، بل كانت حالة عاش فيها الإنسان حرًا باعتباره كائنًا عاقلاً الأمر الذى خفَّف الآثار التى قد تترتب على حرية مطلقة غير منظمة يمكن أن يسحق الأقوى فى ظلها الأضعف منه. ومع ذلك فقد تصور لوك أن تلك الحالة الإيجابية فى حياة الطبيعة الأولى لم تخل من متاعب ومظالم بسبب أطماع بعض الأفراد الذين شكلوا تهديدًا لغيرهم. ولذلك تخيل أن البشر سعوا إلى تجاوز تلك الحالة عبر عقد أبرموه بينهم وتنازل فيه كل منهم عن جزء فقط من حريته لسلطة تُنظَّم العلاقات بينهم ولكنها لا تستطيع إخضاعهم لمشيئتها من غير إرادتهم لأنهم يستطيعون استخدام ما اعتبرها حقوقهم الطبيعية إذا شاءوا. وهكذا تناقضت تصورات مفكرى تلك المرحلة للعقد الاجتماعى الذى حظيت فكرته باهتمام واسع فى الفكر السياسي، ولاتزال تُدرس ضمن مناهج هذا الفكر فى العلوم الاجتماعية.