بقلم : عمرو الشوبكي
فى إيران هناك معارضة قوية ترفض النظام القائم، ولكنها لا تقبل أن تصل للسلطة عبر آلة الحرب الأمريكية ويمثلها تقريبًا معظم التيار الإصلاحى الذى وصل من قبل للسلطة بإرادة الشعب فى عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمى، وخسر مرشحه مير حسين موسوى فى ٢٠٠٩ انتخابات مشكوكًا فى نزاهتها، هذا التيار رفض العدوان الأمريكى- الإسرائيلى على إيران ويرفض إسقاط النظام بالقوة، رغم المرارة التى حملها من الاتجاه المحافظ الذى يقوده المرشد الراحل، ويهيمن على القرار السياسى والعسكرى فى البلاد.
صحيح أن هناك قوى معارضة جديدة، تظاهرت مرات ومرات فى إيران بعد القيود التى فُرضت على التيار الإصلاحى، والذى نظر إليه شباب التيارات الجديدة بأنه تيار مستأنس رُوض لصالح نظام المرشد والاتجاه المحافظ، وأن هذه القوى الجديدة بعضها مرتبط بالغرب وأمريكا، وبعضها يمثله نجل شاه إيران السابق صاحب الشعبية المحدودة.
مشكلة إيران أن النظام بعد أن استبعد جانبًا كبيرًا من التيار الإصلاحى من المسار الدستورى عقب انتخابات ٢٠٠٩، أصبح هناك تيار يُعتد به من القوى الاحتجاجية ترفض النظام ومؤسساته ولا ترى جدوى من المشاركة فى الانتخابات، وعلى استعداد أن تغمض أعينها عن أى محاولات أمريكية لإسقاط النظام.
وقد عكست شعارات المتظاهرين فى الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة وجود تيار لا يرفض السلطة القائمة فقط (وهو طبيعى) إنما المنظومة الحاكمة والمؤسسات القائمة، وهاجم المحتجون مرشد الجمهورية الراحل (الحاكم الفعلى والحقيقى) واعترضوا على تدخلات النظام خارج الحدود، وخطاب المقاومة، وسمعت هتافات من نوع «لا غزة ولا لبنان روحى فداء إيران»، وحُرقت صورة قائد الحرس الثورى الراحل قاسم سليمانى، وتردت شعارات تعبر عن الحنين للنظام السابق كما يجرى فى بلدان شرق أوسطية أخرى بالقول: «هذه المعركة الأخيرة.. نجل الشاة سوف يعود» (وهو فى الحقيقة لن يعود)، كل ذلك يقول إن إيران التى أسست النموذج الأكثر جدية وتقدمًا مقارنة بنظم ادعاء الممانعة العربية حين فُرضت قيود على المعارضة الشرعية الإصلاحية خرجت بدلًا منها قوى معارضة راديكالية تحمل سردية مناقضة لسردية الحكم الحالى، سواء فيما يتعلق بمنظومة القيم السائدة أو شكل النظام السياسى وحتى المطالبة بإعادة دمج إيران فى النظام الدولى وتطبيع العلاقات مع أمريكا والغرب فى الخارج.
إن مظاهرات إيران أكدت ليس فقط حيوية المجتمع الإيرانى وقدرته على أن يكون «مصنعًا» دائمًا للاحتجاجات، سواء كانت سياسية فى مواجهة السلطة القائمة، أو مطلبية فى مواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار إلا أنه حان الوقت أن يعترف النظام بأن القيود التى فرضها على المعارضة الإصلاحية وإخراجها من المسار الشرعى قد خلق معارضة أكثر جذرية وغير مؤمنة بالقواعد الدستورية والقانونية القائمة، وهذا خطر كبير خاصة فى ظل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.