بقلم:طارق الشناوي
عندما يشعر الفنان أنه صار خارج نطاق الخدمة، وأن شركات الإنتاج تتجاهله و(النقابة لا حس ولا خبر)، ومثلما يفعل جزء وافر من أبناء جيله، والأجيال التالية له، يبدأ فى مخاطبة الاعلام وإعلان الغضب من غدر الأيام وتنكر الأصحاب، إلا أن عبدالعزيز مخيون تركيبة أخرى عملى وواقعى ولا يملى شروطه على الحياة الفنية، راضيا بقانون العرض والطلب، يقبل أى دور مهما كانت مساحته، يصر على مواصلة قانون اللعبة، الدور الصغير يعنى بالنسبة له أنه لا يزال فى الملعب، بينما الاعتذار مهما كانت الحجة، له مذاق الانسحاب.
كنت معه فى مهرجان (قرطاج) السينمائى، قبل نحو 6 سنوات، عندما أمسك الفنان القدير عبدالعزيز مخيون بكل حب وعرفان جائزة رفيعة جدًا وهى (التانيت الذهبى)، إنها حلم الكثيرين فى عالمنا العربى، الجائزة يمنحها المهرجان التونسى العريق، كان عادل إمام قد سبق مخيون عام 2016 وإن احتضن نفس الجائزة، جاءت كلمة مخيون، أثناء تكريمه، بردًا وسلامًا على الجميع، وكلها تقدير واعتزاز بتونس وأهلها ومهرجانها، ويومها تساءلت ما هى مكانة الفنانين فى مصر وما هو نصيبهم من التقدير، أتحدث طبعا عن الذين لا ينطبق عليهم توصيف (سوبر ستار)، أنهم بمثابة البنية التحتية والعمق الاستراتيجى للأعمال الفنية، ومخيون مؤكد بين هؤلاء يقف فى أول الصف.
قرأت مؤخرا تصريحًا لأحد الفنانين الموهوبين، كتب على صفحته (احتراما لتاريخى اعتذرت عن العديد من الأدوار لأنها لا تليق باسمى، ولا مكانتى).
لم يذكر أى تفاصيل أخرى، وأنا أصدقه، فى لحظات يتضاءل المعروض إلى درجة الشح، كمًا وكيفًا، كل الفنانين، مع اختلاف الدرجة، لديهم حكايات مماثلة، إلا أن هناك أيضا أسلحة للمواجهة ليس بينها أبدا الانسحاب، ولكن التوازن.
أثناء تكريمه فى قرطاج جمعتنا طاولة واحدة، عبدالعزيز مخيون وأنا، حيث تم تتويج (زيزو) كما يناديه أصدقاؤه المقربون بأرفع جائزة، لإنجاز العمر عن عطائه، كان مخيون مواكبًا لنجم بحجم أحمد زكى والمراهنة عليهما كبطلين بسمات مغايرة للسائد فى النصف الثانى من السبعينيات على أشدها، قبل أن تتراجع اسهم عبدالعزيز كنجم، إلا أنه ظلت له مساحته الإبداعية حتى لو لم يتصدر اسمه (الأفيش) ولا (التتر).
كنا فى أعقاب شهر رمضان، ومخيون وقتها شارك فى حلقتين أو ثلاث فقط من مسلسل (البرنس) إخراج محمد سامى وبطولة محمد رمضان، قلت له بسؤال يحمل مذاق العتاب، المساحة ضئيلة لا تتناسب مع اسمك؟ أجابنى: كان هذا هو المعروض، وليس أمامى بديل، وأضاف: أنا واقعى فى التعامل مع الرقعة التى أقف عليها، أعلم أن كثيرًا من المعادلات والعوامل تتداخل وأيضًا تتدخل، لا نعيش فى (يوتوبيا) الأرض المثالية، مبدأى هو أن أواجه نفسى وأقول: هذا ما أساويه الآن عند شركات الإنتاج، وإذا فقدتها من الممكن ألا أجد مساحة أخرى، ولهذا أوافق، ويأتى العام المقبل وأجد أن الأدوار زادت وأيضًا المساحات.
ما أقدم عليه مخيون هو عين العقل، وهو ما نطلق عليه (التوازن)، وليس له أدنى صلة قربى أو نسب بالتنازل، ولا يعتبر حتى خطوة على الطريق، فهو اختيار آخر.
ارتبط عبدالعزيز مخيون بأداء شخصية الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب فى أكثر من عمل فنى أشهرها (أم كلثوم)، وشعرت فى لحظة وكأنه قد صار صورة من الفنان الكبير، بعد أن تلبسته روحه، وسرعان ما أدرك مخيون أنها مصيدة، وفى تلك اللحظة قرر الاعتذار عمن يريدون استثماره.
فنان له موقف سياسى، كثيرا ما أفصح عنه، صادفه سوء حظ على المستوى الشخصى إلا أنه ظل، وحتى اللحظة الأخيرة، (نبض عروقه كبرياء)!!.