بقلم:أمينة خيري
أغلب الظن أن التاريخ سيتذكر ما قيل حول حرب إيران أكثر من حرب إيران نفسها. والمقصود بالقيل ليس فقط ما يثار وينتشر على السوشيال ميديا فقط، حيث اجتهادات المستخدمين للتفسير أو التحليل أو التوجيه، أو كل ما سبق فقط، ولكن ما قيل من قبل القائمين على أمر الحرب، أى زعماء ومسؤولى الدول الضالعة فى المشهد.
«سنضرب» «سنصبر» «سنتفاوض» «سننتظر» «لن ننتظر» «لن نتفاوض» «الحرب خيارنا» «السلام هدفنا» «لن نضرب» «لن نصبر» «سنسمح» «لن نسمح» هو ملخص الأسابيع الأولى من الأزمة.
إنه الملخص الذى أصاب العالم بدوار معلوماتى. لم يعد الأمر يتوقف عند حدود تسييس الأخبار، وأدلجة التحليلات بحسب المنصة أو الوسيلة الإعلامية، أو بناء على جنسية المصدر ومصالحه وأهدافه، ولكن المعلومات نفسها تأتى من مصادرها مشوشة.
ربما هو تكتيك متفق عليه، أو تكنيك متعارف عليه، ولكن أغلب الظن أنه لم يتم من قبل تطبيقه بكثافة كما جرى فى بدايات الأزمة. تصريحات الليل يمحوها النهار، وكلام النهار يتبدد فى هواء الليل، وهكذا على مدار أسابيع حتى أصيب المتابعون بالدوار.
بالطبع السوشيال ميديا لم تكن أفضل حالاً، بل يمكن القول إنها المرة الأولى التى يتنافس فيها محتوى التصريحات الرسمية مع محتوى السوشيال ميديا فى التناقض والتضارب و«اللخبطة».
اللافت أن التضارب صادر عن الجميع، والتناقض لا يقف عند حد طرف من أطراف النزاع. والأكثر غرابة أن أحداً تقريباً، باستثناء الناس العاديين، لا يعلق على هذا التضارب. يخرج مسؤول فى الصباح ليعلن «سنضرب»، ويلحق به مسؤول من الجانب نفسه فى المساء ليؤكد «لن نضرب».
وهذا ينعكس فى الإعلام الرصين، أى المصنوع من قبل صحفيين ومراسلين حقيقيين، لا مؤثرية عنكبوتيين على السوشيال ميديا، فيبدو الأمر وكأنه (الإعلام) مشارك فى اللخبطة، رغم أن ناقل اللخبطة ليس بملخبِط.
سيذكر التاريخ أنها ضمن اللحظات الأكثر ارتباكاً فى التاريخ المعاصر، وربما القديم. ظنى أنه تكتيك مدروس. وتقييمى أنه أتى ثماره. التمويه والتضليل جزء أساسى فى تكتيكات الحروب. كان حتى عقود مضت مقتصراً على أرض المعركة، وخطط المراوغة، ومباغتات الهجوم. اليوم، نرى التكتيك يتجسد فى صورة لخبطة غير مسبوقة.
الطريف أن الإعلام الرصين، وحتى يخرج من مطب الاتهام بأنه الملخبط، يفرد مساحات لعرض نماذج التضارب وأمثلة التناقض. أصبحت اللخبطة مادة للتحليل والتفسير، فى حين تقلص الاهتمام بالحرب نفسها. أسبابها، أهدافها، تقييم خطواتها، تحديد المنتصر، إعلان المنهزم، معرفة الآثار، وجميعها أمور محورية وخطيرة، تبدو كأنها على الهامش.
ووصل الأمر لدرجة أن العالم ليس متأكداً إن كان الحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران مازالت مطبقة، أم لم تعد موجودة. أظرف ما تابعت موقع خبرى نشر «إنفوجراف» يحتوى على رسوم بيانية تقارن بين 37 تصريحاً تؤكد عودة اشتعال الحرب، و39 تصريحاً تؤكد العكس.