بقلم:أسامة غريب
حدثنى أحد الأصدقاء بأنه كثيراً ما تمنّى لو أن الله الذى وعد الناس بالجنة وجعل دخولها مشروطاً بالعمل الصالح إلى جانب العبادات كالصلاة والصيام والحج، يتمنى لو أن الله قد قصر الأمر على العمل الصالح فقط دون العبادات!، وكان رأيه أن الناس أصبحت ترتكب الذنوب والمعاصى وتمارس الكذب والغش والتدليس جنباً إلى جنب مع إقامة الصلاة والذهاب إلى رحلات الحج والعمرة طول الوقت طمعاً فى أن يغفر الله لهم ما اعتادوا ارتكابه من آثام وجرائم فى حق بعضهم البعض!. وقال صديقى إن العبادات لم تمنح الناس السكينة والقرب من الله بقدر ما منحتهم اطمئناناً بأن جرائمهم وخطاياهم اليومية سوف يتم محوها ببذل بعض المال فى رحلات العمرة وبذل القليل من الجهد فى الصلاة.
قلت له إن الله قد بيّن للناس فى أكثر من موضع أن الصلاة والصيام والحج والعمرة لا تُقبل من فاسق ولا خائن أو شرير، وأبديت لصديقى تفهمى أن الناس عندما تضيق عليهم الحياة ويشح منهم الرزق يحتالون على المعايش، وهم فى سعيهم للوفاء باحتياجات الأسرة والأبناء من طعام وكساء ومأوى قد يقدمون تنازلات أخلاقية تمس الذمة والكرامة، وهذا كله يجلب شعوراً بالإثم يستتبعه بالضرورة الإكثار من مظاهر التدين بعد أن عزَّ جوهره وأصبح لا يقدر عليه إلا أولو العزم من الرجال والنساء!.
أوضحت لصديقى أن التدين الصحيح له شروط موضوعية تسنده وتساعد على بلوغه، فالإنسان يحتاج إلى سقف يؤويه ولقمة تسد جوعه وكساء يستره من أجل أن يعمل وينتج ويبدع ويتدين أيضاً، وقلت له إننى لا أفهم أن نلصق الخِسّة البشرية- العائدة فى جزء منها إلى أسباب سياسية واجتماعية- بالدين وتكليفاته وأوامره ونواهيه. قلت له أيضاً إن غياب العبادات من صلاة وصوم وحج بافتراض حدوثه مع الاكتفاء بمعيار العمل الصالح وحده لدخول الجنة لن يغير من نذالة الأنذال.. إذ إن أمثال هؤلاء من السهل أن يلتمسوا الفتاوى الخاصة بالعمل الصالح وماهيته لدى فقهاء السلطان الذين يقومون بتفصيل الفتاوى بما لا يزعج الحاكم، وأن هؤلاء كانوا ليزينون لهم أعمالاً تافهة بلا قيمة كما لو كانت هى العمل الصالح الذى يريده الله، وكانوا ليبعدوهم عن الجهاد والصدق والوفاء بالوعد باعتبارها أموراً مثيرة للفتن!. نعم، رجال الدين قادرون على هذا، فضلاً عن أن هناك دوافع إنسانية تنطبق على الناس أجمعين؛ منها أن السلوك النظيف والذود عن العِرض واحترام الإنسان لنفسه هى أمور لا تشترط التدين ولا تحتاج لوعد بالجنة أو وعيد بالنار، ولهذا يمكن أن تجد بوذياً أو ملحداً أكثر إنسانية من مسلم مضروب أو مسيحى معطوب.