بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى كثير من الأحيان، نتعامل مع الفشل، سواء على مستوى الأفراد أو حتى الدول، بوصفه نتيجة نقص فى الإرادة أو خلل فى القرار. هذا التفسير يبدو مريحًا، لأنه يُبقى المشكلة فى إطار أخلاقى بسيط، هناك من يعمل بجد، وهناك من لا يفعل. لكن هذه القراءة، كما يطرحها التفكير العلمى الحديث، قد تكون قاصرة إلى حد كبير.
الفكرة التى يقدمها علم الأعصاب والطب السلوكى اليوم، والتى يبلورها بوضوح كتاب The Science of Becoming، (علم التحول: مقاربة طبية) هى أن ما نعتبره «ضعفًا» قد يكون فى كثير من الأحيان نتيجة لاختلال بيولوجى أو بيئى. الإرادة ليست مستقلة عن الجسد، بل هى نتاج له.
الكتاب للدكتور ج. كريسبو ليس كتابًا تقليديًا فى التنمية الذاتية، بل هو محاولة لإعادة تعريف فكرة «التغيير الشخصى» من خلال المنظور الطبى والعلمى، بدلًا من الاعتماد على التحفيز أو الإرادة فقط. الفكرة المحورية فى الكتاب بسيطة لكنها عميقة، الناس لا يفشلون فى التغيير لأنهم يفتقرون إلى الإرادة، بل لأن بيولوجيتهم وقدراتهم الجسدية تعمل ضدهم.
بدلًا من تحميل الفرد المسؤولية، يوجه كريسبو النظر إلى وظائف الجسم، الدماغ، الهرمونات والتوتر والبيئة. ويؤكد أن التغيير الحقيقى يحدث عندما تتوافق البيولوجيا مع السلوك، وليس عندما يتم فرضه بالقوة. يرفض كريسبو الشعارات التحفيزية السطحية وفكرة «فكّر بإيجابية فقط» والحلول السريعة. ويقدم بدلًا من ذلك نموذجًا سريريًا للتغيير قائمًا على الطب، علم الأعصاب وعلم السلوك. أى أن الكتاب أقرب إلى تشخيص وعلاج منه إلى نصائح تحفيزية.
يعتقد دكتور كريسبو أن الإرهاق، وتشوش الذهن، وفقدان الدافع ليست مشاكل نفسية فقط، بل غالبًا مؤشرات بيولوجية مخفية.
يرى المؤلف أن الصحة هى أساس الهوية. وأن الإرهاق، القلق، ضعف التركيز ليست عيوبًا شخصية بل إشارات بيولوجية عن خلل ما. أى أن البيولوجيا تقود السلوك. فالهرمونات تؤثر على القرار، والنوم يؤثر على التفكير، والالتهابات تؤثر على التركيز.
ببساطة لا يمكنك التفكير بطريقة مختلفة إذا كان جسدك فى حالة اختلال. يستمر دكتور كريسبو فى استعراض أفكار متعددة، مثل تأكيده أن العقل والجسد نظام واحد، كذلك مفهوم العمر الجديد. الهدف ليس طول العمر بل جودة الحياة.
كريسبو يرفض الفكرة التقليدية «أنت فقط كسول»، ويرى أن فقدان الدافع ليس ضعف إرادة، بل قد يكون الجهاز العصبى مرهقا، أو الجسم فى حالة ضغط مزمن، أو الطاقة البيولوجية منخفضة.
إذن المشكلة فى «النظام» وليس فيك. والفكرة الأكثر أهمية أنك لا تعمل ضد نفسك، بل النظام الذى تعيش فيه هو الذى يعمل ضدك، تستخدم غذاء صناعيا، تعيش ضغطا مستمرا، وتعانى نوما غير منتظم وبيئة غير صحية. الحلول التى يطرحها ليست «حفّز نفسك»، بل إصلاح النوم، تحسين التغذية، تقليل الالتهاب، إعادة توازن الهرمونات، تقليل الضغط. أى إعادة بناء الأساس البيولوجى.
أتمنى أن أجد هذا الكتاب بالعربية. متأكد أنه سيساعدنا فى هذه الأوقات الصعبة.