بقلم: طارق الشناوي
رائدة السينما أتحدث عن فاطمة رشدى، واحدة من ست الستات أقصد النساء الست اللاتى بدأن المشوار مبكراً، وضعن نقودهن وموهبتهن ومثلن وأخرجن، الخمس الأخريات عزيزة أمير وبهيجة حافظ وأمينة محمد وآسيا ومارى كوينى.
أخرجت فاطمة عام ١٩٣٣ فيلم «الجواز».
ضربات تحت الحزام وجهت لهن جميعًا، تشير إلى تواجد أصابع أخرى ومعادلات وصفقات أدت إلى أن تكتب أسماؤهن كمخرجات على الشاشة، كثيرًا ما تم عن اسمين لعبا هذا الدور من الباطن، الأول وداد عرفى من أصول تركية، والثانى إستيفان روستى الممثل الشهير الذى احتفظت له شاشة السينما بأعظم الإفيهات.
فاطمة رشدى، التقيتها عام ٨٣ على مقهى شعبى فى وسط المدينة، كانت تقيم فى فندق متواضع، لا تستطيع لضيق المكان استضافة أحد، أتذكر أننى سألتها بسذاجة منقطعة النظير عن تاريخ ميلادها، كادت أن تغادر المقهى احتجاجًا، وزاد معدل اعتذارى عن هذا الخطأ، أدركت أننى لم أتعمد أبداً كشف المستور، عادت إلى مقعدها بعد أن تعهدت وأقسمت لها بالثلاثة، بعدم الاقتراب من الألغام، منحتنى فرصة أخيرة ودرسا لا ينسى، «إياك أن تسأل امرأة عن عمرها»، بعد هذا اللقاء أصبحت لا أسأل امرأة ولا رجلاً عن تاريخ الميلاد.
نتذكر «العزيمة» ١٩٣٦ للمخرج كمال سليم الذى دخل بهذا الشريط تاريخ السينما المصرية كأول أفلامنا الواقعية وكان اسمه فى البداية «الحارة»، قبل أن يعتبر المتزمتون إياهم أن الاسم ينشر غسيلنا القذر على العالم فاضطر المخرج لتغيير العنوان.
فاطمة رشدى هى النجمة الأولى للمسرح وحظيت بلقب «سارة برنار الشرق»، وهو نفس التشبيه الذى أطلقوه على «روز اليوسف»، إلا أن فاطمة رشدى انفردت بلقب آخر لا ينازعها فيه أحد «صديقة الطلبة»، كانت تفتح مسرحها يوماً فى الأسبوع مجاناً للطلبة، الذين كانوا يحرصون على البقاء بالساعات أمام بابها، ثم يشاركون فى حمل سيارتها حتى سلالم المسرح، كانت فاطمة رشدى هى معبودة الرجال ومثل أعلى للنساء، عشرات من الأثرياء كان هدفهم الوحيد إشعال السيجارة لها بورقة ١٠٠ جنيه، بينما الآخرون يضعون «الشمبانيا» فى حذائها قبل أن يصبوها فى الكأس.
فاطمة جمالها وحضورها هما رأسمالها، لم تستطع أن تتواكب مع دخول كاميرا السينما ولم تهضم قانونها، كانت أمينة رزق قد بدأت المشوار فى نفس المرحلة العمرية، حضور فاطمة رشدى كان أكبر، إلا أن من أكملت هى أمينة رزق، لأنها بذكاء التقطت تغير «أبجدية» التمثيل، أمينة رزق برغم كل ما حققته من نجاح لم تنس أن فاطمة غريمتها، وفى مطلع التسعينات عندما قرر الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة تكريم فاطمة عن مشوارها، احتجت أمينة بصوت عال فى مسرح دار الأوبرا واعتبرته تدليساً وقالت «أين يوسف وهبى؟».
والحقيقة أنها أرادت سرقة فرحة فاطمة رشدى، عندما التقيت فاطمة، كانت تضع كل الأصباغ الممكنة على وجهها وأظافرها، وكأنها تريد إيقاف عقارب الزمن وهو نفس ما فعلته فى دار الأوبرا.
أراد المخرج الكبير صلاح أبوسيف أن يعيدها عام ١٩٦٦ للشاشة الكبيرة فى فيلم «القاهرة ٣٠»، كان يعرفها جيدًا لأنه عمل مساعد مخرج فى «العزيمة»، أرسل لها مساعده الأول فى تلك السنوات محمد عبد العزيز، قالت له المفروض أن يأتى صلاح، اعتذر وقال «لولا انشغاله لجاء بنفسه»، وقالت له قل لصلاح «سارة برنار الشرق»، ستعود للسينما فقط فى دور البطولة، كانت تريد أن تؤدى دور «إحسان» سعاد حسنى!!.