التمويل الاستهلاكى والتجارة فى القلق

التمويل الاستهلاكى والتجارة فى القلق

التمويل الاستهلاكى والتجارة فى القلق

 العرب اليوم -

التمويل الاستهلاكى والتجارة فى القلق

بقلم:عبد اللطيف المناوي

امتداداً لحديث الأمس، فإن التجربة فى مجال التمويل الاستهلاكى تشير إلى أن الفجوة بين النص القانونى والممارسة اليومية واسعة. فحين يشعر المواطن أنه لا يستطيع الحصول على عقده، أو لا يفهم تفاصيل التزاماته، أو يتعرض للإهانة بسبب تأخير أيام قليلة، فنحن أمام خلل يتجاوز التعثر المالى.

أيضاً ثقافيًا فالمجتمع المصرى لم يمر بمرحلة كافية من التربية المالية التى تهيئه لاقتصاد الديون الاستهلاكية. لسنوات طويلة كان الاقتراض فى الوعى الشعبى مرتبطًا بالضرورة القصوى أو بالمشروعات الكبيرة. اليوم أصبح التقسيط جزءًا من الحياة اليومية. لكن هذا التحول حدث بسرعة أكبر من قدرة المجتمع على استيعابه. فهناك فرق بين مجتمع يستخدم الائتمان وهو يعرف قواعده، ومجتمع يدخل إليه تحت ضغط الحاجة، وبمعرفة محدودة، وفى ظل غلاء مستمر.

أما اقتصاديًا فقد يبدو القطاع مفيدًا لأنه يحرك البيع والشراء، ويدعم التجار، ويوسع الوصول إلى السلع. لكن إذا نما التمويل الاستهلاكى فوق قدرة الدخول الحقيقية، فإنه لا يصنع رفاهًا بل يؤجل الأزمة. إنه ينقل المشكلة من لحظة الشراء إلى شهور السداد. وكلما اتسعت دائرة الديون الصغيرة المتراكمة، زاد الضغط على الأسر، وتراجعت قدرتها على الادخار، وارتفعت احتمالات التعثر والنزاع الاجتماعى.

ولا ينبغى فى المقابل إدانة القطاع كله. هناك شركات ملتزمة، وهناك عملاء استفادوا بالفعل من خطط تقسيط منظمة. كما أن منع التمويل الاستهلاكى ليس حلًا لأن الحاجة إليه حقيقية. المشكلة ليست فى وجود الأداة، بل فى استخدامها داخل بيئة هشة، دخل متآكل، ووعى محدود، ورقابة تحتاج إلى صرامة أكبر، وشركات تتنافس أحيانًا على التوسع قبل التحقق من الجدارة الائتمانية.

الحل يبدأ من إعادة تعريف هذا النشاط باعتباره قطاعًا يمس السلم الاجتماعى، لا مجرد نشاط مالى غير مصرفى. لا بد من قواعد أوضح لإجمالى عبء الدين على دخل العميل، وإفصاح مبسط بلغة يفهمها المواطن، وإلزام الشركات بتسليم نسخة واضحة من العقد، وتجريم ممارسات التحصيل المهينة، وإنشاء مسار سريع وفعال للشكاوى. كما يجب نشر بيانات أكثر تفصيلًا عن حجم السوق، ونسب التعثر، وطبيعة الشكاوى، وأسماء الشركات المخالفة.

وفى المقابل، لا بد من بدائل أكثر عدالة للفئات البسيطة، قروض اجتماعية ميسرة، تمويل بضمان الراتب من جهات العمل، دور أكبر للبنوك العامة والاجتماعية، وبرامج تثقيف مالى حقيقية. فترك المواطن وحده أمام إغراء التقسيط السهل ثم معاقبته عند التعثر ليس سياسة اقتصادية عادلة.

التمويل الاستهلاكى فى مصر ليس مجرد منتج مالى جديد، بل مرآة لمرحلة كاملة، مرحلة يحاول فيها الناس شراء حاضرهم بدخل المستقبل. وإذا لم تُضبط هذه الظاهرة، فقد تتحول من وسيلة لتيسير الحياة إلى آلة لإنتاج الغارمين والضغط الاجتماعى. الخطر ليس أن يشترى المواطن بالتقسيط، بل أن يكتشف بعد فوات الأوان أنه لم يشترِ سلعة فقط، بل اشترى معها قلقًا طويلًا لا يعرف متى ينتهى.

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التمويل الاستهلاكى والتجارة فى القلق التمويل الاستهلاكى والتجارة فى القلق



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab