بقلم : سمير عطا الله
كانت العلاقات القائمة على الرسائل تناسب إليوت لأنها تمنحه سيطرة أكبر على صورته. فهو الرجل الذي عرض الزواج من زوجته الثانية برسالة، رغم أنها كانت سكرتيرته ويراها يومياً. ويمكن القول إنه لم تكن له «علاقة» مع إميلي هايل، المرأة التي يرى البعض أنها شكلت الخيط العاطفي في سنواته الوسطى، بل كانت له معها مراسلة. لقاءاتهما قليلة ورسائلهما كثيرة – إذ بقيت 1131 رسالة من رسائله إليها محفوظة في مكتبة جامعة برنستون.
بعد وفاة إليوت عام 1965، احتفظت أرملته فاليري إليوت بالمواد غير المنشورة.
تظهر المجلدات أيضاً أن إليوت كان شاعراً متقطع الإنتاج، لكنه ناشر متفرغ في دار فابر أند فابر، حيث لعب دوراً مهماً في تطوير قائمة الشعر. كان مديراً مجتهداً، يشارك في الاجتماعات ويقرأ المخطوطات بعناية ويكتب مقدمات للكتب. ورغم أن رسائل الرفض قد تبدو مملة، فإنها غالباً ما تضمنت نقداً دقيقاً وبناءً.
في يوليو (تموز) 1944، كتب رسالة رفض شهيرة إلى جورج أورويل بشأن «مزرعة الحيوان». وقد اعترف لاحقاً أن هذا القرار كان خطأ كبيراً، خاصة أن الكتاب أصاب نجاحاً هائلاً.
توضح المراسلات أيضاً استمرار نشاط النشر خلال الحرب، رغم قيود الورق، بل وحتى ازدهاره، إذ كتب إليوت عام 1943، أن أي كتاب يطبع ممكن بيعه بسهولة.
وفي تأمل ذاتي، كتب أنه يحتاج أحيانا إلى الانشغال لصرف ذهنه عن الكتابة، أو لإثبات قيمته الاجتماعية.
تكشف الرسائل كذلك عن تفاصيل الحياة الاجتماعية آنذاك، مثل الولائم، ما يوضح أن الحياة استمرت بشكل طبيعي في بعض الأوساط رغم الحرب.
رغم كثرة الرسائل التي كتبها إليوت، فإنه كان قاسياً على نفسه، حين قال إن مهارته في كتابة الرسائل تدهورت. فبين السطور تظهر لحظات كاشفة، مثل اعترافه في رسالة عام 1939 بشعوره بلا مستقبل واضح وبشكوكه في قيمة أعماله، رغم اعتباره السنوات الست الأخيرة من حياته آنذاك أسعد فتراته.
وربما يذكرنا بأن قراءة رسائل الآخرين تمنحنا وهم الوصول إلى أعماقهم، بينما قد لا تكون تلك اللحظات سوى حالات عابرة صيغت لشخص معين. ومع صدور المجلدات القادمة، قد نجد مزيداً من هذه اللمحات، إلى جانب المزيد من المجاملات الدقيقة التي تميز رجلاً عاماً واجباً.