بقلم : فاطمة ناعوت
عامٌ جديد يتقاطعُ فيه التقويمان، الميلادى والهجرى، ليتزامن صومُنا شهرَ رمضان، مع صوم أشقائنا أقباط مصر صومَهم الكبير الذى يمتدُّ خمسةً وخمسين يومًا؛ ينتهى عشية «عيد القيامة المجيد»، مثلما ينتهى صومنا عشيّة «عيد الفطر المبارك»، أعاد اللهُ علينا جميعَ أعيادنا ونحن على رباط المحبة والتضامّ والحنو. ولعلَّ تكرار الصيام المشترك على مدى الأعوام الماضية هو دعوةٌ للتأملِ فى وحدةِ الأصل ووحدة المصير ووحدة الغاية، ووحدة الأمل فى غدٍ أجمل نرسمه لأطفالنا؛ لا عنصرية فيه ولا تناحر. اليومَ غُرّة شهر رمضان المعظّم، وبداية الصوم الكبير. حين يجفُّ حلقُ الصائمِ المسلمِ وقت الظهيرةِ، وحين يكتفى الصائمُ المسيحىّ بقليلٍ من الزيتِ والملح طوال يومه، فهما فى الحقيقةِ يصعدانِ ذاتَ السلمِ الروحيّ نحو الله الواحد، كلٌّ عبر منظوره وإيمانه. نصوم معًا، لأن الألمَ الإنسانى واحد. وُنفطر معًا على «موائد المحبة»، التى يدعونا إليها أشقاؤنا المسيحيين طوال الشهر الكريم، لأن الفرح لا يُحتمل منفردًا، لأنه طقسٌ اجتماعى. فى هذا التزامن الجميل، نتعلّم من جديد أن «الوطن» ليس عقيدة واحدة، بل هو قلبٌ شاسعٌ يتّسع للجميع، يفرحُ بتضامّنا ويحزنُ ويُنهَك بشتاتنا. هذا التزامنُ التقويميّ رسالةٌ سماويةٌ تُذكرنا بأننا مثلما نقتسمُ الخبزَ والملح، نقتسمُ كذلك الامتناع عنهما. ومثلما جاهدنا معًا أعداءنا مدى التاريخ، نتشارك العيش فى هذا الوطن الذى لن تقوى شوكتُه فى وجه الخصوم إلا بتضامّنا وتحابّنا ونبذنا جميع وجوه الفرقة والشتات.
اليومَ، تدخلُ مصرُ حالةً من السكينةِ الروحانية الطيّبة. ليست سكينةَ السكون، بل سكينةَ الترفّع والسموّ. فالجوع المشترك هو شبعٌ بالحب والتآخى، والعطش هو ارتواءٌ بالانتماء لوطن واحد ومظلّة إنسانية واحدة. فبينما يضبطُ المسلمُ ساعتَه على خيطِ الفجرِ الأبيض ليبدأ صوم رمضان، يكونُ شقيقهُ المسيحيُّ قد قطعَ شوطًا فى صومِهِ الكبير. هو التزامن الميقاتى الذى يعيدُ ضبطَ إيقاعِ الشارعِ المصريّ على نغمةٍ واحدة، نغمةُ الامتناعِ عن «المادة» انحيازًا لـ«الروح».
لا أميلُ للحديث عن «النسيجِ الواحد»، و«عنصرى الأمة»، و«قطبى الأمة»، و«الوحدة الوطنية»، وجميع تلك العبارات الكلاشية التى ليس وحسب فقدت معناها من فرط تكراراها، بل لأنها كذلك تحمل فى داخلها معنى الفرقة والشتات. فلسنا «عنصريْن» ولا «قطبين» ولا شتاتًا يرنو للوحدة، ولا نسيجًا ممزقًا يرجو رأبًا؛ بل نحن مصريون من عنصر واحد، قطبُنا هو «مصر». فالواقعُ النابضُ بالحياة أبلغُ من التشبيهات والاستعارات اللغوية. الواقعُ يقولُ إن «قِدرةَ الفول» التى تطعمُ المسلمين عند المغرب، هى ذاتها التى تُطعم المسيحيين طوالَ الأسابيعِ القادمة. هى ذاتها الأرضُ التى حملت البذور، والحَّبة التى أشرق أخضرُها من الطمى الأسود، والأيدى التى غرست وسقت وحصدت، وهى الأكفّ التى تمتدُّ لتغرفَ «البركة» من وعاءٍ مصريٍّ لا ينضب.
اليوم نراقبُ الوجوهَ فى الشارع؛ لنلمحَ ذلك «الشحوب النورانى» الجميل يغلفُ ملامحَ المصريين؛ شحوبَ الجوع والظمأ، والترفّع عن الأرض طمعًا فى السماء. ويأتى الصيامُ المشتركُ ليغسلَ القلوبَ مما علق بها من صخبِ الحياة. لسنا بحاجة إلى خطابات عن «الوحدة الوطنية» حين نراها تُقدَّم ساخنة على موائد الإفطار. ولا نحتاج إلى شعارات حين يُترجَم الإيمانُ إلى فعل، والمحبة إلى خبز، والاختلاف إلى ثراء لا تهديد.
رمضانُ فى مصر شهرُ الجميع، وبهجةُ الجميع، وصلاةُ الجميع لإله واحد حيّ قدّوس. نعبده جميعًا، كلٌّ عبر رؤيته. ونحبُّه جميعًا، كما أحبَّنا تعالى وجعلنا شعوبًا وقبائلَ لنتعارفَ ونتحابّ ونتآخى. يزورنا رمضانُ هذا العام، ومصرُ قد تعافت من ظلال الإرهاب الأسود، ومازلنا نسعى أن نتخلّص من الأشواك القاسية التى وخزها أعداءُ الحياة فى خصر مصر وفى نحورنا، لكى نصفو وننصت إلى أصوات السماء العذبة فى تواشيح «سيد النقشبندى» وقرآن الشيخ «محمد رفعت»، وترانيم أشقائنا فى كنائس مصر الطيبة، وصخب أطفال يعلقون الزينات والفوانيس، لن نميز أبدًا إن كانوا مسيحيين أم مسلمين، مادمنا متأكدين أنهم مصريون. مصريون وفقط.
ولا يأتى شهرُ رمضان فى أى عام إلا وتذكّرتُ بكل الفرح ذلك الصليب الأزرق الصغير المرسوم على رُسغ يد طيبة قدّمت لى «حبّة تمر» لأكسر بها صيامى فى رمضان عام ٢٠١٣. كان ذلك يوم الجمعة ٢٦ يوليو أمام «قصر الاتحادية»، حين خرجنا جميعًا، نحن المصريين، نطالبُ الجيشَ المصريَّ العظيم بمواجهة الإرهاب. كنتُ جالسةً فوق المنصّة مُنهكةً من الظمأ والتعب، وما أن حلَّ المغربُ وانساب الأذانُ الجميلُ على مسامعنا، قُدمت لى زجاجةُ ماء وتمرةٌ من يدٍ مصرية، رفعتُ بصرى لأرى صاحب اليد الكريمة وأشكره، فإذا بفتاة صبوح تبتسم وتقول لى: «اتفضلى يا حبيبتى اكسرى صيامك»، فنهضتُ وعانقتُها. هكذا كنّا، واحدًا صحيحًا لا ينفصم، وهكذا سوف نظلُّ إلى نهاية الدنيا. كل عام ونحن مصريون لا يفرّق بيننا شقاقٌ ولا شتات.