بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى لحظة سياسية شديدة الحساسية، ترأس الرئيس الأميركى دونالد ترامب الاجتماع الأول لما سُمّى بـ«مجلس السلام» فى واشنطن، فى خطوة بدت أقرب إلى إطلاق منصة سياسية جديدة لإدارة ملف غزة، لا مجرد مؤتمر مانحين تقليدى. الاجتماع، الذى شاركت فيه ٤٧ دولة إضافة إلى الاتحاد الأوروبى بصفة مراقب، حمل وعودًا مالية ضخمة، وأعاد طرح سؤال أعمق: هل نحن أمام آلية دولية جديدة لإدارة الصراع، أم أمام إطار سياسى يعيد تشكيل معادلات المنطقة تحت قيادة أميركية مباشرة؟
أبرز ما خرج به الاجتماع كان الإعلان عن تخصيص ١٧ مليار دولار لإعادة إعمار غزة، إلى جانب تعهد ترامب بتقديم ١٠ مليارات دولار عبر المجلس، مع مساهمات إضافية تجاوزت ٧ مليارات دولار من دول عدة بينها الإمارات وقطر والسعودية والمغرب والبحرين والكويت وكازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان. كما تعهدت اليابان بحملة تمويل واسعة، وأبدت جهات دولية استعدادًا لجمع مليارى دولار إضافية. الأرقام ضخمة، بل لافتة سياسيًا، خاصة أن تقديرات الأمم المتحدة لإعادة إعمار القطاع تصل إلى نحو ٧٠ مليار دولار بعد دمار طال ٩٠٪ من البنية التحتية. غير أن حجم التمويل المعلن لا يجيب وحده عن الأسئلة الجوهرية، كيف ستُصرف هذه الأموال؟ من سيراقبها؟ وهل حظيت المساهمة الأميركية بموافقة الكونجرس؟ هنا يظهر التحدى الأول، الانتقال من إعلان سياسى إلى برنامج تنفيذى واضح المعالم.
لم يقتصر الاجتماع على الإعمار، بل تضمن إعلان التزام خمس دول بإرسال قوات ضمن «قوة الاستقرار الدولية» المزمع نشرها فى غزة. وجرى الحديث عن أربعة هياكل انتقالية لإدارة المرحلة المقبلة، مجلس السلام، اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مجلس غزة التنفيذى، وقوة الاستقرار. هذه الهندسة المؤسسية تعكس توجهًا نحو إدارة انتقالية متعددة الأطراف، لكنها تثير تساؤلات حساسة حول السيادة، وحدود التفويض، والتمثيل الفلسطينى، خاصة فى ظل غياب فلسطينى رسمى عن الاجتماع، وهو غياب أضفى على المشهد بعدًا سياسيًا يتجاوز ملف الإعمار إلى مسألة تقرير المصير نفسه.
بدا المجلس محاولة لإعادة صياغة إدارة ملف غزة خارج المسارات التقليدية التى قادتها الأمم المتحدة أو الرباعية الدولية. ترامب ألمح فى كلمته إلى أن المجلس سيعمل على «مراقبة» أداء المنظمة الدولية وضمان قيامها بعملها، ما أثار مخاوف من أن يتحول إلى منصة موازية أو حتى بديلة للأمم المتحدة. بعض الدول الأوروبية فضّلت المشاركة بصفة مراقب، فيما امتنعت أخرى عن الانضمام كأعضاء مؤسسين، وأبدت الصين تمسكها بالنظام الدولى الذى تكون الأمم المتحدة عماده. هذه المواقف تعكس حذرًا دوليًا من إعادة تشكيل بنية النظام متعدد الأطراف عبر إطار جديد تقوده واشنطن.