بقلم: فاطمة ناعوت
طفل يتلعثم، فيضحك زملاؤه. وآخر لا ينظر فى عيون الآخرين، أو يضع يديه على أذنيه حين يرتفع الضجيج، أو يكرر حركة نمطية لكى يهدأ، وبين هذا وذاك تتسع قائمة الاختلافات بين البشر لتشمل شكل الجسد، ولون البشرة، وتباين طرائق الفكر والثقافة والعقائد، والعالم يتسع لكل هذا التنوع، فالتنوع الإنسانى ثراءٌ. لكن بعضهم ينصب المحاكم ليدين من ليس نسخة منه.
اليوم الثانى والعشرون من أكتوبر، هو اليوم العالمى للتوعية بالتأتأة، وهو مناسبة تذكّرنا بأن الكلام ليس مجرد كلمات تخرج من الفم؛ بل هو طريق الإنسان إلى الآخرين، ووسيلته للتعبير عن أفكاره ومشاعره، وإثبات حضوره فى العالم. وحين تتعثر الكلمات على لسان شخص يتأتئ، فإن أقل ما يستحقه أن ينتظره الآخرون حتى يكمل جملته، لا أن ينتزعوا منه حق الكلام بالضحك أو المقاطعة أو تقليد صوته.
«التأتأة» قد تكون أحيانًا انعكاسًا لعقلٍ نشط تتزاحم فيه الأفكار، فيرتبك اللسانُ، ويعجز عن ملاحقة ما يدور فى الذهن. وأخبرنا التاريخُ عن علماء وعباقرة كانوا يعانون صعوبات فى التعبير رغم نصاعة عقولهم. ويذكّرنا القرآن الكريم بدعاء سيدنا موسى عليه السلام: «واحلُلْ عقدةً من لسانى، يفقهوا قولى». لم تكن صعوبة الكلام عند النبى الكريم عائقًا لتوصيل عمق الرسالة النبيلة التى حملها لقومه. فلا شىء يدعو إلى الخجل من التأتأة، أو التنمّر على أصحابها. لكننا نجد من يتنمّر ويسخر. وما ينطبق على التأتأة ينطبق على «طيف التوحد»، وغيره من الاختلافات الإنسانية الواسعة؛ التى لا يعانى أصحابها من اختلافاتهم عن «المعتاد»، بقدر ما يعانون من الوصم والتنمّر من أناسٍ يعانون بدورهم فقرًا فى الوعى والتحضر، بل وفى الإنسانية.
فلو تأملنا كلمة «التنمّر» لاكتشفنا فيها ملمحًا من البعد عن جوهر الإنسانية. فالمعجم الوسيط يعرّف الفعل: «تنمّر» بأنه التشبّه بالنَمِر فى طبعه ووحشيته. وكأن اللغة قد التقطت تلك اللحظة التى يستعير فيها الإنسان شراسة الحيوان ليخيف إنسانًا آخر ويُروّعه. لكن النمر لا يُجرّم على طبيعته التى فطره الله عليها؛ أما الإنسان، حين يتوحّش، تبدأ الجريمة، لأن الله لم يفطر بنى الإنسان على الوحشية، بل منحهم القدرة على ضبط النفس وكبح النوازع المؤذية.
لكن السؤال الذى يستحق أن نتوقف عنده: مَن الذى قرر أن هناك صورة واحدة مقبولة للإنسان، من يخرج منها يستحق التصحيح أو السخرية أو الإقصاء؟ كيف تحوّلت العادة إلى معيار، والأغلبية إلى محكمة، والاختلاف إلى تهمة؟ لعلّنا هنا نتذكر العبارة الشهيرة: «عن قرب، لا أحد طبيعى» Up Close، No One Is Normal، التى ارتبطت بحركة إصلاح الطب النفسى المستلهمة من أفكار الطبيب الإيطالى «فرانكو باساليا». فحين نقترب من الإنسان، ونتجاوز الصورة التى اختزلناه فيها، نكتشف كائنًا أعقد من أحكامنا، وأوسع من تصنيفاتنا، وأبعد من أن يُختصر فى نمط واحد.
التنمّر ليس مزحةً بريئة كما يحاول بعضُهم أن يبرر، بل هو اعتداء متعمّد يتخذ أشكالًا عديدة: كلمة جارحة، لقب مهين، تقليد ساخر لطريقة الكلام والمشى، استبعاد من مجموعة أو وظيفة، أو صورة تُنشر على الإنترنت لتحويل إنسان إلى مادة للضحك. التنمّر ليس دلالة قوة، بل دلالة ضعف وعى وأخلاق. والمستهدَف قد يكون عالمًا جليلًا، أو صاحب موهبة استثنائية، أو إنسانًا ناجحًا، لكنه خرج من إطار الصورة النمطية التى يحبس المتنمّرون عقولهم داخلها. فكم من إنسان تعرّض للسخرية بسبب عقيدته أو ملامحه أو أفكاره، لا لنقص فيه، بل لنقص فى خلق المتنمر. التنمّر لا يثبت تفوّق صاحبه، بل يكشف استعداده لإيذاء الآخرين. والمفارقة أن المتنمّر قد يتصور أنه يدافع عن الطبيعى، بينما هو فى الحقيقة يدافع عن حدود خياله؛ فلا يتسع تصوره للإنسان إلا لمن يشبهه. والمؤلم أن نجد من يشرعن التنمّر باسم المزاح، فلا يُساءل المعتدى، بل يُطالَب المجروح بأن يكون أكثر احتمالًا، وأوسع صدرًا، وأقل حساسيةً. وكأننا نطالب الإنسانَ بتحمل الإهانة، بدلًا من مطالبة المجتمع باحترام الاختلاف وتجريم الإهانة.
نحن لا نحتاج إلى عالم متشابه كعيدان الثقاب، بل إلى عالم يتسع للاختلاف لأنه مشيئة الله فى مُلكه. لا نحتاج إلى إجبار من يتأتئ على سرعة الحديث، ولا المتوحد على تغيير نظام عقله كى نقبله. بل نحتاج إلى تعلّم ثقافة الاختلاف. والمسؤولية تبدأ من البيت، ولا تنتهى عند أبواب المدرسة، ولا عند صفحات المنصات الرقمية، بل تمتد إلى العقل الجمعى الذى يحرك المجتمع بأسره.
مقامُ السؤال:
إذا كان الاختلافُ جريمة، فمَن وضع القانون؟ ومَن نصّب القُضاة؟ وكيف لإنسان أن يتوهّم أن صورته هى الصورة الصحيحة للإنسان؟