بقلم : محمد أمين
تساءل الصديق الدكتور ياسر عبدالعزيز فى مقال له بصحيفة «الشرق الأوسط» قائلاً: «هل يحتضر المقال السياسى؟».. وقال إن الصحف كانت تصدر قبل أكثر من عقدين، فيتلقفها الناس مع إرهاصات الصباح الأولى، وكانوا يبحثون عن زاوية معينة تحمل اسماً لامعًا، ويحرصون على متابعة ما يكتبه، لأنه يقدم تحليلاً يضىء لهم زاوية ملتبسة، أو يقترح حلاً لمشكلة تؤرق الدولة والمجتمع، أو يطرح فكرة تقود الرأى العام!
كان ذلك يحدث عندما كان هناك حوار بين الحكومة والصحافة وكان هناك تقدير خاص للكلمة وأصحاب الرأى.. وكانت هناك مساحة حرية تعبير تسمح بتقديم الأفكار وكانت تشتبك معها الحكومة، ولذلك حرصت فى كل ما أكتبه أن أنصح بالتمسك بحرية الرأى والتعبير، لخدمة المجتمع.. وحرصت على تقديم أسئلة سريعة الطلقات للحكومة.. كنت أحثها على تقديم إجابات، وصناعة حوار مع الصحافة، فالنقد ليس معارضة، ولكنه أصل الكتابة أن تنتقد، وأن نطرح الأسئلة!
وأذكر أنه كان هناك تعبير جميل للمهندس صلاح دياب، فى عموده الشهير «نيوتن» عندما قال إن المعارضة تقوم بضبط الكرافتة للحكومة، ولا تريد تشتيت الناس وإنما ضبط الأداء.. وإذا حرص الكُتاب على تقديم الأسئلة فإن المقال الصحفى لا يمكن أن يحتضر، وإنما يعيش طالما كانت هناك صحافة، فلا صحافة دون رأى يقدم المواهب، ويعرض الأفكار والمقترحات ويضبط الكرافتة!
أعترف بأن شيئاً من ذلك يحدث، ولكن بندرة لافتة كما قال «عبدالعزيز» فى مقاله.. ولكن الأمر يعتمد على المناخ الصحفى وجو الحريات.. والكاتب الموهوب ممكن أن يقول ما يشاء رغم وجود الرقابة!
ولابد أن كل فترة لها ما يميزها من كتاب وأصحاب مقالات، فالقارئ نفسه يقدر الظروف وينتظر من كاتبه الإشارة إلى مواجعه بكل الطرق المتاحة.. صحيح هذا لا يكفى ويجب الكتابة بكل الوضوح وتقديم الأفكار للرأى العام، فى جو من الحرية يسمح بأن يتنفس الناس، ويعبروا عن مواجعهم وآلامهم بكل هدوء!
باختصار، مواهب الكتابة لم تتراجع، والشجاعة الأدبية لم تندثر، ويجب أن يبقى الكتاب فى مواقعهم ولا ينتقلوا إلى المنصات الإلكترونية، للبحث عن مكان آخر يتنفسون فيه.. ولابد أن تدعم الحكومة الصحافة الرسمية، وتطلق الحريات، ليقول أصحاب الرأى ما عندهم، وتظهر الكفاءات والمواهب فى الصحف الرسمية وليس فى العشوائيات الصحفية!