بقلم: فاطمة ناعوت
فى حفل ختام «منتدى مصر ٢٠٢٦»، الذى سعدتُ بحضوره عضوًا بالمكتب السياسى لحزب «العدل»، كانت «الماستر سين»، فى نظرى، تلك اللحظة الإنسانية الدافئة التى أحاط فيها الشباب والأطفال بالرئيس «عبدالفتاح السيسى»، فأصرّ أن يُلقى كلمته وهم متحلّقون حوله، قائلًا: «تعالوا جنبى دَفُّونى». عذوبة تلك اللحظة اختصرت معنى الوطن وغاية البناء، وأعادت الحكاية إلى جوهرها: «الإنسان»، الذى من أجله تُبنى المدن، وتُشق الطرق، وتُقام المشروعات وتُشيّدُ المدارس والمشافى والمتاحف والبيوت. الإنسان فى نسخته الأصغر: الطفل، الذى نزرع له اليوم كى يحصد غدًا.
أولئك الصبية والصبايا والأطفال لم يعيشوا ما عشناه قبل ١٢ عامًا حين كانت قلوبنا تنزف ومصرُ تُهدّم أمام عيوننا بمعول الإخوان الثقيل. لهذا فُتح كتاب «للتاريخ» الذى أعده د. «مصطفى مدبولى»، رئيس مجلس الوزراء، مُصدّرًا أولى صفحاته بمشاهدَ دامية عشناها، نحن الجيل الأكبر، فى الميادين والشوارع ونحن نحاول إسقاط غول الإخوان عن عرش مصر. ولولا رحمة الله وعزيمة المصريين وجسارة جيشنا المصرى وفروسية الرئيس السيسى، لكان ذاك المعول قد شجَّ رأس مصر الكريم. وبعدما أنقذنا الوطن من ظل الإخوان المعتم، بدأنا مرحلة مكافحة الإرهاب الذى أشعله الإخوان ثأرًا من مصر فى شمال سيناء وسائر جنبات الوطن، فى سنوات دفعت فيها مصر أثمانًا باهظة من دماء أبنائها. وبعدما صفا لنا وجه مصر من جديد، بدأنا رحلة البناء، لتتشكل ملامحُ خريطة جديدة لمصر؛ لا فى البنية التحتية وحدها، بل فى صورة مصر العمرانية والحضارية. مدن جديدة تتسع للمستقبل، كالعاصمة الإدارية، ومدينة الفنون والثقافة ودار الأوبرا الجديدة، إلى جانب المونوريل الذى يفتح أفقًا جديدًا للنقل الحديث، والمتاحف التى تحفظ الذاكرة المصرية وتقدمها إلى العالم، فضلًا عن مشروعات الطرق والمحاور والأنفاق، إلى تطوير قناة السويس وتعزيز قدراتها الملاحية، وتحديث الموانئ البحرية وتوسيع قدراتها اللوجستية، ومشروعات الطاقة والمياه والإسكان، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم، وتوفير مساكن لائقة لسكان العشوائيات والمناطق غير الآمنة، وجهود الحماية الاجتماعية وتطوير القرى. تلك المشروعات ليست أبنية تتجاور على خريطة؛ بل ملامح وثبة حضارية تستحق الاحترام. فالمدينة ليست بيوتًا وشوارعَ، بل فضاء للحياة والفنون والمعرفة. والأوبرا والمتاحف ليست رفاهًا منفصلًا عن احتياجات الناس، بل خطوطًا أساسية فى لوحة الوطن المتحضر. ومن حق المصرى أن يجد وسيلة نقل حديثة، وشارعًا نظيفًا منظمًا، ومساحةً للفن والجمال؛ فكل هذه الخيوط وجوه من الحياة الكريمة، وأصولٌ حضارية تنتفع بها أجيالنا وأحفادنا من بعدنا. وهكذا جاء ملف «للتاريخ» ليسجل جانبًا من رحلة امتدت اثنى عشر عامًا، من ٢٠١٤ إلى ٢٠٢٦ شهدت خلالها مصر وثبات واسعة فى عمرانها وبنيتها الأساسية وخدماتها.
ولأن التنمية رحلة متصلة ومستمرة لا محطة أخيرة، فإن ما تحقق من وثبات حضارية وعمرانية يفتح أمامنا آفاقًا أوسع لما نطمحُ إلى إنجازه. فخلف خريطة الوطن، ثمة بيوت مصرية تتطلع إلى أن يخفّ عنها عبءُ المعيشة، وأن يصبح الدخل أكثر قدرةً على ملاحقة اشتعال الأسعار، وألا تتحول نفقات العلاج والتعليم واحتياجات الأبناء إلى مصدر قلق دائم. فالمواطن الذى يشهد وطنه يخطو إلى آفاق عمرانية أوسع، يتطلع إلى أن يجد الطمأنينة فى بيته. ولذا، نرجو أن تحمل المرحلة المقبلة مزيدًا من التيسير للمواطن، وأن تترجم توصيات المنتدى، من تحسين الأجور وتطوير الخدمات وبناء المصانع وتوسيع فرص العمل، إلى أثر ملموس فى حياة الناس. فكيف نمنح المواطن نصيبًا أوفر من ثمار التنمية، ليشعر بأن ما يُبنى على أرض الوطن ينعكس رغدًا فى بيته، وثقةً فى غد أرحم؟. هذا هو السؤال الذى ينبغى أن يصاحب رحلة البناء، وأن يظلَّ حاضرًا فى كل خطوة نخطوها نحو المستقبل.
وقد أعلن الرئيس أن «منتدى مصر» سيصبح منتدى سنويًّا، وأن توصياته لابد أن تجد طريقها إلى التنفيذ. وهنا تكمن أهمية أن يصبح المنتدى موعدًا متجددًا لتبادل الأفكار، واستشراف المستقبل، ومتابعة ما تحقق لنستمد منه الثقة فى قدرتنا على مواصلة البناء. فالأوطان لا تُبنى فى يوم، ولا تنتهى رحلتها عند إنجاز؛ إنها حكاية أجيال تتسلم الراية، وتضيف إلى ما ورثته صفحات جديدة.
أما الأطفال الموهوبون والشباب الواعد الذين رأيناهم مع الرئيس فى ذلك المشهد الدافئ، فهم أصحاب الصفحة التالية من الكتاب؛ من أجلهم نواصل البناء، ولهم نرجو مستقبلًا أكثر رحابةً وأمانًا، تتوافر فيه فرص التعلّم والعمل والإبداع، ويجد فيه كل طفل مصرى ما يعينه على تحقيق أحلامه.
مقامُ السؤال:
إذا كانت السنوات الماضية قد شهدت بناء خريطة أجمل لمصر، فكيف نجعل السنوات المقبلة أكثر ثراءً بالفرص، وأوسع أفقًا للأمل، وأقرب إلى أحلام أبنائنا فى غدٍ مشرق؟.