عشيّة انعقاد المؤتمر العامّ الثامن لحركة فتح (14 أيّار) في رام الله، برئاسة الرئيس محمود عبّاس، من الواجب السؤال: هل تغيّرت الحركة أم لا تزال على صورة مؤسّسها؟
في واحد من أسفارنا الطويلة، التي نقضي فيها ساعات بين السماء والطارق، سألت ياسر عرفات: لماذا تتردّد في عقد مؤتمر “فتح” بعد مرور سنواتٍ كثيرةٍ على انعقاد آخر مؤتمر؟
كان يعرف أنّني شاركت في المؤتمر الرابع الذي انعقد في إحدى ضواحي دمشق، وشهدت ما كان قبله وما حدث فيه وما جرى بعده. حين يكون عرفات معارضاً لفكرةٍ تتطلّب قراراً، يضع فيها كلّ الموبقات التي تبرّر اعتراضه عليها، وبشأن المؤتمر كان دائم التحفّظ على عقده، ولو وجد سبيلاً لإلغائه بصورةٍ نهائيّة، ووجد بديلاً معقولاً عنه لمعالجة شؤون حركته الكبرى وشرعيّاتها، لما تردّد في اعتماده.
قال إنّ مؤتمر “فتح” ليس كأيّ مؤتمرٍ حزبيّ، كبيراً كان أم صغيراً، فإن تمكّنّا من حلّ مسألة المكان والزمان، فسندخل مسألة من يستحقّ العضويّة ومن لا يستحقّ، وإذا ما توصّلنا إلى حلٍّ لمسألة العضويّة، فسوف ندخل مناكفات التيّارات السياسيّة، وعندنا ما شاء الله الكثير الكثير منها، وكلّها متناقضٌ ومتعارض.
لقاء التّوافقات والاختلافات
إنّ مؤتمر “فتح”، كما قال، أشبه بمؤتمرٍ عالميّ فيه كلّ توافقات واختلافات الكون. قلت: ولكنّ هذا مدعاة لعقد المؤتمر وبلورة خلاصاتٍ سياسيّةٍ موحّدة، أليس المجلس الوطنيّ هكذا، لكنّك كنت تجد خلاصاتٍ وحدويّةً في السياسة والقيادة؟
لأنّ “فتح” قطعةٌ طبق الأصل من هذه التركيبة والنسيج، فلا أمل لتجدّدها إن تعاملت مع ذاتها كحزبٍ أو فصيلٍ أو سلطة
تجاهل مداخلتي وقال: وإذا ما تمكّنّا من تجاوز العراك السياسيّ الداخليّ بين التيّارات والاجتهادات، فسندخل حكاية المواقع عبر انتخابات اللجنة المركزيّة والمجلس الثوريّ. سينجح من ينجح، ويسقط من يسقط. ألا تعرف أنّني أقضي أكثر من نصف وقتي لاستعادة “الحردانين” واسترضاء الغاضبين وترويض الجدد (لم يقُل تطويعهم)، واستدرك: هل تتذكّر كيف أنقذت الحركة من انقسامات المؤتمر الرابع حين استثنيت التاريخيّين من التصويت، خشية سقوط واحدٍ أو اثنين أو أكثر منهم، بفعل التصويت الكيديّ، وتمّ التصويت لخمسةٍ جددٍ فقط؟
قلت: ولكن في أيّ حركة سياسيّةٍ أو حزب لا بدّ من مؤتمر، وغالباً أو دائماً ما يكون محدَّد الموعد وأسماء الأعضاء. قال ما اعتبرته جواباً مبتكراً لا يخرج إلّا من قريحة عرفات: إحنا لا حركة ولا حزب ولا تنظيم. وبلهجته المصريّة التي يحبّها ونحبّها فيه قال: إحنا “فتح”، يعني كلّ دول (هؤلاء) حتّة وحدة.
فتح
في عهد محمود عبّاس الذي ورث عن عرفات مواقعه جميعاً وتحفّظه على المؤتمرات، عُقد مؤتمران، واحدٌ في بيت لحم وكان تجمّعاً غير محدّد العدد، وجرى التصويت فيه مباشرةً من دون إجراءات حمايةٍ حتّى لا يصوّت العضو أكثر من مرّة، وجرى تصويتٌ بالهاتف من غزّة والقاهرة ورام الله وعمّان وأماكن أخرى، بذريعة أنّ صاحب الصوت الهاتفيّ مُنع من الوصول إلى بيت لحم بفعل إجراءات الاحتلال.
كان المؤتمر الذي حمل الرقم 6 مخالفاً لكلّ القواعد المعمول بها في أيّ مؤتمرٍ حزبيٍّ أو مهنيّ، غير أنّه كان يُقبل ويمرّ ويجري التعامل مع مخرجاته بلا تحفّظ، خوفاً على الحركة الكبرى من التمزّق الداخليّ وفقدان الشرعيّة. حدث مثل ذلك تقريباً في المؤتمر السابع الذي عُقد في رام الله.
في حركة فتح وبعد كلّ مؤتمرٍ، سواء في زمن عرفات أو زمن عبّاس، تكرّست ظاهرة الباب الدوّار، الذي يخرج منه الغاضبون على وضعهم
الباب الدّوّار
في حركة فتح وبعد كلّ مؤتمرٍ، سواء في زمن عرفات أو زمن عبّاس، تكرّست ظاهرة الباب الدوّار، الذي يخرج منه الغاضبون على وضعهم، وحين لا يجدون المزايا المتوافرة لهم خارج حركة فتح يعودون من الباب ذاته. حين يغادرون يُشيَّعون بتهمٍ في غاية القسوة، وحين يعودون يُستقبلون استقبال الفاتحين!
“فتح” والحالة هذه مقبلةٌ على مؤتمرها الثامن، وكثيرون من أعضائها غير متأكّدين من دعوتهم إلى المشاركة، وبعضٌ من قيادتها غير متأكّدٍ من تجدّد نوبته القياديّة، التي لا يرضيه إلّا أن يحتفظ بها ليأخذها معه إلى القبر.
صحيحٌ وصفُ عرفات لها بأنّها ليست حركةً ولا حزباً ولا تنظيماً، وأنّها ذلك كلّه تحت اسمٍ تاريخيٍّ واحد، هو “فتح”، وتحت كوفيّةٍ مرقّطةٍ لم تُدفن مع ياسر عرفات بل ظلّت شعاراً للحركة بل للشعب وللمرحلة.
السؤال: ما دامت فتح هكذا فما هو سرّ بقائها واستمرار دورها في الحياة الوطنيّة الفلسطينيّة؟
نسخة عن المجتمع الفلسطينيّ
لديّ اجتهادٌ خاصّ في الإجابة عن هذا السؤال. هي قطعةٌ طبق الأصل عن المجتمع الفلسطينيّ، بكلّ أطيافه واجتهاداته وسلبيّاته وإيجابيّاته. هو مجتمعٌ لا طغيان فيه لنمطٍ تنظيميٍّ واحد، إذ فيه العشائريّة مندمجة مع الحداثة، وفيه الأثرياء الأكثر من اللزوم، وفيه محدودو الدخل الأقلّ من اللزوم، وفيه فائض خرّيجين من المعاهد والكليّات المحليّة والعالميّة، وقلّةٌ في الوظائف التي تستوعب هؤلاء. إنّه شعبٌ فريد التكوين، فيه تعايشٌ مدهشٌ بين السالب والموجب، على الصعيد الأخلاقيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والسياسيّ.
لأنّ “فتح” قطعةٌ طبق الأصل من هذه التركيبة والنسيج، فلا أمل لتجدّدها إن تعاملت مع ذاتها كحزبٍ أو فصيلٍ أو سلطة، بل الأمل كلّ الأمل أن تعمل على استنهاض المجتمع كلّه، كي يفرز نظاماً سياسيّاً جديداً أفضل بكثيرٍ من النظام المتداعي القائم الآن، يكون أساسه صندوق الاقتراع في كلّ المجالات.