بقلم: طارق الشناوي
بعد أن أحكم بطل الفيلم إغلاق خزان الماء على الإرهابى، صفق الجمهور، البطل تحرر من ضعفه وخوفه الذى هو أيضًا ضعفنا وخوفنا.
شاهدت فيلم «خروج آمن» للمرة الثانية؛ الأولى فى مهرجان برلين قسم «البانوراما» قبل نحو تسعة أشهر، كنت أترقب عرضه فى مصر، لدينا حاجز الرقابة، التى تطل دائمًا بعين متوجسة، عندما يُعرض فيلم إنتاج مشترك، سبق عرضه فى مهرجان عالمى، فما بالكم لو كان بطل الفيلم مسيحى الديانة!
تعليمات صارمة ازدادت حدتها فى السنوات الأخيرة، تفرض الاقتراب بحذر عند تقديم المسيحى. كاتبنا الكبير أسامة أنور عكاشة، كان رأيه الذى عبر عنه تليفزيونيًا، لا يجوز تقديم المسيحى إلا فى ثوب مثالى، الغياب الدائم عن الشاشة يفرض حساسية مفرطة عند المسيحى والمسلم.
هذه المرة نحن مع سمعان حارس عقار ورث المهنة عن أبيه، الشاب محمل بذكرى واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية، أتحدث عن المجزرة التى دبرتها «داعش» فى ليبيا وأحالت أزرق مياه البحر المتوسط إلى لون الدم، ذبحت 22 مصريًا قبطيًا، خيرتهم بين النحر أو النطق بالشهادتين، لم يتراجعوا عن إيمانهم بالمسيح، لم تكن تلك هى حكاية الفيلم، ولكنها تحمل بداية موحية لكى نقترب أكثر من شخصية البطل. لم يقدم المخرج المذبحة، لأنها بالتأكيد لم تغادر ذاكرة المصريين جميعًا.. أكرر المصريين جميعًا!!
حلم الأمان حق مشروع، على الجانب الآخر عندما تتكاثر الضربات الاجتماعية والاقتصادية، يصبح الأمان مستحيلًا، كل شخصيات الفيلم تعيش تحت وطأة الخوف، الخوف يتضاعف عند المسيحى عندما يزداد المجتمع تطرفًا فى تعاملاته اليومية، السيناريو لم يتوقف كثيرًا أمام تلك التفاصيل، واثقًا بأن المتفرج سيكمل الكثير مما تركه الكاتب والمخرج محمد حماد بين السطور.
حماد يعود للسينما الروائية بعد 11 عامًا، شاهدت فيلمه الأول «أخضر يابس» الذى نال عنه أكثر من جائزة، وكالعادة، لم يرحب به السوق المصرى، وكان عليه أن ينتظر كل هذه السنوات حتى يجد تمويلًا لمشروعه الثانى.
مع اللقطات الأولى حتى قبل أن نعرف اسم البطل «سمعان» نرى وشم الصليب على يده.
هناك محاذير، تفرض نفسها داخل النص وخارجه، ما هو خارج عن الدراما يشكل فى المعادلة النفسية للجمهور النسبة الأكبر، المخرج تعامل بقدر كبير من الاحترافية وأيضًا النضج، وحطم مباشرة هذا الحاجز الوهمى، لم يستسلم لتلك المحاذير.
الزمن غير محدد بدقة ولكنه قطعًا بعد مذبحة استشهاد المصريين الأقباط، شهد بطل الفيلم المذبحة، فلقد كان هو الوحيد من أفراد العائلة الذى سافر طفلًا مع والده إلى هناك.
يعيش على سطح العمارة فى حجرة صغيرة، تتشابك حياته ومصيره مع وجود إرهابى عليه حمايته، دخول امرأة مسلمة فقيرة بلا بطاقة هوية، تواجه المرض القاتل ببسالة وأيضًا بصورة للعذراء مريم وضعتها على صدرها، ومن أرق وأعمق مشاهد الحوار، تلك التى وجهت فيها عتابها لأطهر نساء العالمين، بعد اكتشافها أن المرض استقر فى المخ، المخرج يقود باقتدار فريق العمل بين الممثلين. تقف فى المقدمة الرائعة ماجدة منير، ومعها عدد من المواهب الجديدة مروان وليد ونهى فؤاد وسامر المنياوى ومونتاج دينا فؤاد وتصوير محمد الشرقاوى، المنتجة خلود سعد تمكنت من منح المشروع طاقة نور.
خطوة جريئة من المخرج فى تقديم المصرى القبطى على الشاشة، نحن واقعيًا لا نرى ميلاد الشقيق الكبير، ولكننا نعيشه من خلال سمعان كأنهما شخصية واحدة.
يستحق «خروج آمن» أن يرى نوافذ يطل منها على الجمهور المصرى، ليعقد مصالحة بين سينما الجمهور وسينما المهرجانات، ويستحق أيضًا أن يتردد اسمه غدًا أكثر من مرة فى حفل توزيع الجوائز!!.