بقلم: طارق الشناوي
أخشى أن ننحنى خاضعين أمام توحش هذا الصوت الذى يتدثر عنوة بالدين لاقتحام دار الأوبرا، أحد أهم علامات الحضارة الحديثة فى مصر، أضاءت الأوبرا حياتنا منذ منتصف القرن التاسع عشر فى عهد الخديو إسماعيل، فنانو الأوبرا تعرضوا مثل المجتمع المصرى بكل طوائفه إلى تلك الهجمة الشرسة، كل من يريد تقديم إبداع للناس، يجد نفسه أمام «فلتر» المحاكمة الدينية فإذا حصل على براءة من الأول وقف متهماً أمام الثانى «فلتر»، المحاكمة الاجتماعية.
كتبت قبل أيام عما فعله عدد من مطربى الأوبرا فى قصيدة «لست قلبى» لكامل الشناوى تلحين عبد الوهاب وأداء عبد الحليم حافظ، بتغيير مقطع «قدر أحمق الخطى»، إلى «واثق الخطى» كان دفاعهم أنها ليست المرة الأولى، فعلوها مرارًا، إلا أن القاعدة المستقرة «الخطأ لا يبرر تكرار الخطأ»، كانت هناك مرجعية دينية فى دار الأوبرا نهاية الثمانينيات وتم إقرار هذا العبث، المطلوب من وزيرة الثقافة د. جيهان زكى مراجعة تلك القرارات العشوائية.
تعرض مثلاً البيت الأخير فى قصيدة «القرن»، كما أطلقوا عليها أقصد طبعاً «الأطلال»، لاغتيال أدبى، أحدهم قال لا يجوز دينياً أن نلتزم بما قاله شاعر الأغنية إبراهيم ناجى «لا تقل شئنا فإن (الحظ) شاء» الصحيح دينياً «لا تقل شئنا فإن الله شاء».
بعض المطربين حتى من خارج «الأوبرا»، مثل أصالة قررت مسايرة الموضة أحالتها فى حفلاتها إلى «الله شاء».
أتذكر فى العام الحزين الذى حكمنا فيه الإخوان ٢٠١٢، كانت لديهم أجندة للدخول على الأوبرا، استوقفهم فن الباليه، اعتبروه ذروة الانحلال، الملابس التى تلتصق بالأجساد حرام، وأن يمسك راقص الباليه بزميلته على المسرح ويرفعها لأعلى حرام، وتعددت المحرمات، لم يكتفوا بهذا القدر، تفتق ذهنهم على ضرورة تقديم باليه شرعى إسلامى، بلا تلامس وبملابس فضفاضة، كان لديهم أحد «الكوادر» لمساعدتهم فى وضع بنود القانون الجديد للأوبرا الشرعية. ولو راجعت الأرشيف ستجد أن هناك أحد المقربين من تلك الدائرة واسمه كما أتذكر «سيد درويش» بدأ فى وضع بروتوكول الباليه الشرعى، كما أنهم قرروا إنتاج فيلم ومسلسل عن «حسن البنا»، رداً على الجزء الأول من «الجماعة» الذى قدمه وحيد حامد ٢٠١٠، والغريب، أن كاتب سيناريو من الكبار، بمجرد مجيئهم، عرض عليهم خدماته لتقديم حسن البنا كما أراده الإخوان.
يتسللون ولو من ثقب إبرة، ووجدوا هذا الثقب فى دار الأوبرا المصرية، هناك ضوء أخضر من بعض المطربين، أعلم أن بعض الشعراء والملحنين أيضاً أصابتهم تلك الحالة، وتابعنا أكثر من مطرب شعبى يطالب زملاءه بحرق أغانيه، وهناك ميثاق شفهى بينهم ملتزمون به كل منهم عليه أن ينفذ وصية زميله بمجرد يأتى دوره.
هم لا يلعبون بل يخططون، والمناخ مع الأسف يسمح بمزيد من اللعب، فى السبعينيات رفضت أم كلثوم إجراء تغيير فى أغنية «الحب كله» مقطع «يا أرق من نسمة وأجمل من ملك»، قالوا لا يوجد أساساً مقارنة بين البشر والملائكة، وأصرت «الست» على «أجمل من ملك»، كما رفض عبد الوهاب نهاية «الثمانينيات» استبدال مقطع «جايين الدنيا ما نعرف ليه»، بعد أن استندوا إلى الآية الكريمة «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، وقالوا جئنا فقط لعبادة الله، وأصر عبد الوهاب على «جايين الدنيا ما نعرف ليه»!!.