أيُّ الرِّجال المُهَذَّب

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

 العرب اليوم -

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب

بقلم : تركي الدخيل

لَا يَكَادُ كِتَابٌ مِنَ كُتُبِ الأَمْثَالِ العَرِبِيَّةِ المُتَقَدّمَة، وَلَا كُتُبِ النَّحْوِ يَخْلُو من قولهم: « أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ!»، وَيُضَرَبُ المَثَلُ لِتَأْكِيدِ أَنَّ النَّقْصَ وَاقِعٌ فِي الرِّجَالِ كُلِّهِم، وَصِيغَ المَثَلُ عَلَى هَيْئَةِ سُؤَالٍ تَقْرِيرِيٍّ، يَحْمِلُ إجَابَتَهُ ضِمْنًا، وَمَعْنَاهُ: مَنْ هُوَ الرَّجُلُ (المُهَذَّبُ)، أيْ الكَامِل الّذِي لَا يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ، وَلَا يَرْتَكِبُ خَطَأً! وَالجَوَابُ: لَا وُجُودَ لِهَذَا الرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَال.

وَتَذْكُرُ مُعْظَمُ كُتُبِ الأَمْثَالِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بِالمَثَلِ هُوَ الشَّاعِرُ الجَاهِلِيُّ الشَّهِيرُ، النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ، في قّوْلِهِ:

وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لَا تَلُمُّهُ

عَلَى شَعَثٍ أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ!

وَعُدَّ بَيْتُ النَّابِغَةِ هَذَا أحْكَمَ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ. وَهُوَ أيْضاً مِنَ الشَّوَاهِدِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي كُتُبِ النُّحَاة، عَنِ الاسْتِفْهَامِ بِنِيَّةِ النَّفْيِ.

قَالَ المُفَضَّلُ بنُ سلمة، في «الفاخر»: قَوْلُهُمْ: أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ. قَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ الأَنْصَارِيّ: منْ لكَ يومًا بِأَخِيكَ كُلِّه؟

أيْ لَيْسَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَيَبٌ، أوْ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ.

قِيلَ لِحَمَّادِ عَجْرَدَ: بِأيِّ شَيْءٍ فَضُلَ النابِغَةَ؟

فَقَالَ: لأنَّ النَّابِغَةَ إِنْ تَمَثَّلْتَ بِشيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ اكْتَفَيْتَ بِهِ، كَقَوْلِهِ:

«حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً»...

بَلْ إِنْ تَمَثَّلْتَ بِنِصْفِ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِهِ اكْتَفَيْتَ، كَقَوْلِهِ:

«وَلَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ»

بَلْ إِنْ تَمَثَّلْتَ بِرُبع بَيْتٍ مِنْ شِعْرِهِ اكْتَفَيْتَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:

أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ... قَالَ سَلم بن قُتَيْبَةَ:

مِنَ الشّعْرِ أبْيَاتٌ يُسْتَغْنَى بِأعْجَازِهَا عَنْ صُدُورِهَا وَبِصُدُورِهَا عَنْ أعْجَازِهَا، كَقَولِ النَّابِغَةِ: «وَلَسْتَ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ».

فَهَذَا مَثَلٌ سَائِرٌ، ثُمَّ قَالَ: (عَلَى شَعَثٍ)، فَكَانَ زَائِدًا فِي المَعْنَى. ثُمَّ قَالَ: أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ. فَيَكُونُ مَثَلًا سَائِرًا.

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي كِتَابِ «الألفاظ»:

يُقَالُ: قَدِ الْتَأَمَ مَا بَيْنَهُمْ يَلْتَئِمُ الْتِئَامًا، وَأَلْأَمْتُهُ إِلْآمًا: إذَا أَصْلَحْتَ مَا بَيْنَهُمْ. وَيُقَالُ: قَدِ الْتَأَمَ الصَّدْعُ وَالكَسْرُ. وَقَدْ لَمَمَتُ شَعَثَهُمْ أَلُمُّه لَمَّا: إذَا أصْلَحْتَ شَأْنَهُمْ. وَيُقَالُ: لَمَّ اللهُ شَعَثَكَ، أيْ: أَذْهَبَ اللهُ عَنْكَ البُؤْسَ وَأَصْلَحَ أمْرَكَ.

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الشَّعَثُ أَنْ يَتَفَرَّقَ الشَّعَرُ، فَلَا يَكُونُ مُتَلَبِّدًا. رَجُلٌ أَشْعَثُ، وَامْرَأَةٌ شَعْثَاءُ.

قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي «جمهرة اللغة»:

(هَذَبَ)، وهَذَبتُ الشَّيْءَ أُهَذّبُه هَذبًا، إِذَا خَلَّصْتَهُ وَنَقَّيْتَهُ وَكَذَلِكَ هَذّبْتَهُ تَهْذِيبًا. وَهَذَبْتُ النَّخْلَةَ إِذَا نَقَّيتَهَا مِنَ الّلِيفِ. وَرَجُلٌ مُهَذَّبٌ مِنَ الْعُيُوب: نَقِيٌّ مِنْهَا.

وَفِي «مقاييس اللغة»، قَالَ ابْنُ فَارِس:

(بَقِيَ): البَاءُ وَالقَافُ وَاليَاءُ، أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهوَ الدَّوَامُ. قَالَ الخَلِيلُ: يُقَالُ بَقِيَ الشَّيْءُ يَبْقَى بَقَاءً، وَهْوَ ضِدُّ الفَنَاء.

المَعْنَى:

يَخَاطِبُ الشَّاعِرُ كُلَّ مَنْ يَصِلُهُ شِعْرُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: لَنْ يَبْقَى لَكَ أخًا (وَاسْتَخْدَمَ الأَخَ لِلْحَدِيثِ عَنِ الصَّدِيقِ وَلَيْسَ الأَخَ بِالدَّمِ)، إذَا لَمْ تَقْبَلْ بِأَخْطَائِهِ وَتُغْمِضْ عَيْنَكَ عَمَّا لَا تَرْضَى مِنْ سُلُوكِهِ وَسَجَايَاهُ، وَلِتَرْتَاحَ عِنْدَمَا تَتَغَافَلُ عَنْ زَلَّاتِ صَاحِبِكَ، اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يُوجَدْ أَحَدٌ بِلَا زَلَّةٍ وَهَذَا لَيْسَ فِي البَشَرِ، فَالْكَمَالُ لِلَّهِ وَحْدَه.

arabstoday

GMT 23:47 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 23:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 23:39 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 23:35 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 23:33 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

GMT 23:31 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

(مهرجان الإسكندرية) وعودة الروح

GMT 23:29 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

حضوريًا.. أو لا تعليم

GMT 19:14 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب أيُّ الرِّجال المُهَذَّب



نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab