من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

 العرب اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين

بقلم:عبد اللطيف المناوي

يرى كثيرون أن صعود المؤثرين وصناع المحتوى يمثل انتصارًا للسطحية على العمق، وأن الثقافة الجادة أصبحت ضحية لعصر السرعة. وهناك ما يدعم هذا الرأى. فالمنصات الرقمية تكافئ المحتوى السريع والمثير والقابل للمشاركة أكثر مما تكافئ الأفكار المعقدة والتحليلات المطولة.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. ففى الوقت نفسه أتاحت التكنولوجيا فرصًا غير مسبوقة لنشر المعرفة. هناك أكاديميون ومؤرخون وخبراء استطاعوا الوصول إلى ملايين الأشخاص عبر المنصات الرقمية، وهو جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه عبر الوسائل التقليدية. المشكلة إذن ليست فى التكنولوجيا نفسها، بل فى كيفية استخدامها.

لقد شهد العالم انتقالًا من عصر النخبة إلى عصر الشبكات. فى القرن العشرين كانت الأفكار تتحرك غالبًا من أعلى إلى أسفل، من المفكر إلى الصحيفة ثم إلى الجمهور. أما اليوم فإن الأفكار تتحرك داخل شبكات متداخلة، حيث يمكن لفرد مجهول أن يطلق فكرة تنتشر عالميًا خلال ساعات.

هذا التحول منح المجتمعات قدرًا أكبر من المشاركة، لكنه فى الوقت نفسه أضعف المرجعيات التقليدية. لم يعد هناك صوت واحد يحتكر التفسير، ولا مؤسسة واحدة تحتكر الحقيقة. وأصبح المجال العام أكثر ديمقراطية، لكنه أيضًا أكثر فوضوية.

وهنا يظهر سؤال أكثر أهمية من السؤال حول عدد المتابعين أو حجم الانتشار، من يصنع الوعى العام؟

المتابعات والمشاهدات تمنح النفوذ، لكنها لا تضمن الفهم. فالمؤثر يستطيع تشكيل المزاج العام بسرعة، لكنه لا ينتج بالضرورة المعرفة التى تبنى رؤية طويلة المدى. أما المفكر والباحث فدوره مختلف، إذ ينتج الأفكار التى تشكل البنية الفكرية للمجتمع، حتى وإن كان تأثيره أبطأ وأقل صخبًا.

 

التاريخ يعلمنا أن الشعارات قد تحرك الجماهير، لكن الأفكار هى التى تعيد تشكيل المجتمعات. وقد يستطيع مقطع قصير أن يغير اتجاه نقاش عام، لكن إعادة بناء الوعى تحتاج إلى جهد معرفى أطول وأكثر عمقًا. لذلك ربما يكون الحديث عن «نهاية المثقف» مبالغًا فيه. ما انتهى فى الواقع هو نموذج المثقف التقليدى بوصفه المرجعية الوحيدة وصاحب الصوت الأعلى. أما الحاجة إلى التفكير والتحليل وإنتاج الأفكار فلم تتراجع، بل أصبحت أكثر إلحاحًا فى عصر الفوضى المعلوماتية.

التحدى الحقيقى أمام المثقف اليوم ليس استعادة مكانته القديمة، بل إعادة تعريف دوره. لم يعد كافيًا أن يمتلك المعرفة، بل عليه أيضًا أن يمتلك القدرة على التواصل. ولم يعد كافيًا أن ينتج الأفكار، بل عليه أن يجد الطريق الذى يجعلها تصل إلى الناس.

لم تنتصر التفاهة على الثقافة، ولم يخسر المثقف معركته نهائيًا. ما حدث ببساطة هو أن قواعد اللعبة تغيرت. ومن لا يدرك ذلك سيظل يتحدث من فوق منصة لم يعد أحد ينظر إليها، بينما تتشكل عقول الأجيال الجديدة فى مكان آخر تمامًا.

ويبقى التحدى، هل يستطيع المثقف أن يتعلم لغة العصر دون أن يفقد عمقه أم أن المستقبل سيكون بالكامل لمن يجيد صناعة الانتباه أكثر مما يجيد صناعة الأفكار؟.

arabstoday

GMT 23:47 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 23:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 23:39 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 23:35 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 23:33 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

GMT 23:31 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

(مهرجان الإسكندرية) وعودة الروح

GMT 23:29 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

حضوريًا.. أو لا تعليم

GMT 19:14 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين



نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab