بقلم: طارق الشناوي
فى آخر حفلاته بمهرجان (الجونة) رد على معجبة قائلا: (بتحبى مين أنا أد أبوكى).
لم يحدث فى تاريخ الغناء أن أعلن مطرب ولا مطربة أنه تجاوز مرحلة الشباب أو صرح بتاريخ ميلاده. الفنان فى علاقة دائمة مع الجيل الجديد، الذين يشكلون القوة الحقيقية لبقائه على القمة، أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد، اختصروا الكثير من تاريخ ميلادهم، بمعدلات تتراوح بين سبع وخمسة عشر عاما، كنت أتصور أن عبدالحليم هو الوحيد الذى لم يفعلها، حتى اكتشفت بالصدفة قبل أيام حوارا فى التليفزيون السعودى عام ١٩٧٦ قبل عام واحد من رحيله، سأله المذيع عن تاريخ ميلاده أجابه ٢١ يونيو ١٩٣٤، مختصرا خمس سنوات فهو مواليد ١٩٢٩، واضطر بعدها أن يختصر فى الحوار بنفس المعدل من تاريخ تخرجه فى معهد الموسيقى، وبداية مشواره السينمائى، وغيرها، إلا أن الزمن قطعا تغير بعد زمن حليم، مثلا كان عبدالحليم لا يخجل أن يتعاطى أقراص الدواء على المسرح، وكنا نتعامل، فى سنواته الأخيرة، ببساطة مع نحول جسده وانطفاء الوهج من عينيه، وتراجع لياقته الجسدية، البعض كان يعتبرها فى ذلك الزمن واحدة من عناصر زيادة التعاطف مع الجمهور.
على الجانب الآخر، عمرو يبدو أمامنا دائما شابا فى مطلع الأربعينيات من عمره، على أقصى تقدير، مختصرا نحو ٢٠ عاما، قفزاته الدائمة على خشبة المسرح تؤكد أنه فى كامل لياقته الجسدية والفنية، حريص فى كل أحاديثه على عدم التلاعب فى تاريخ ميلاده، حتى إنه لم يزرع شعرا فى مؤخرة رأسه لتعويض ما فقده مع الزمن، مدركا أن العلاقة مع جمهوره لا تحتاج إلى إضافة أى مكملات صناعية.
الخط السحرى مع الجمهور فى جزء كبير منه قائم على حالة افتراضية يخلقها الإيهام مع من نحبهم، يتجاوزون فى العادة كل التفاصيل البشرية، المسافة تقلصت بين الأسطورة والواقع بعد سيطرة (السوشيال ميديا)، إلا أنها قطعا لم تتبدد تماما، كانت أم كلثوم مثلا تحاول الاحتفاظ بحالة الأسطورة، تتجنب فى الإعلام الحديث عن حياتها الشخصية، ومن النادر أن تجد مثلا تواجدا لها مع زوجها الدكتور حسن الحفناوى ترصده الكاميرات، لم يتبق من الزمن من حياتها الشخصية إلا فقط بعض الحكايات (المضروبة) التى صارت مع الأسف الخبز الدائم لصحافة (النميمة).
العلاقة مع الجيل الجديد هى التى دفعت أم كلثوم لأن تنتقل نغميا إلى بليغ حمدى ليقدم لها ألحانا بها مشاغبة شبابية، تليق بجيل الستينيات ومطلع السبعينيات الذى لحقته فى القسط الأخير من حياتها، ولاتزال تلك الأغنيات مع ألحان عبدالوهاب لـ(الست) هى التى تحقق حاليا أعلى رواج فى (الميدبا)، لم تخاصم أم كلثوم أى نغمة جديدة أو حتى إيقاع راقص، راهنت على الزمن القادم، ومع كل تقديرى إلى سميعة أم كلثوم الذين ضبطوا موجة مشاعرهم على أغانيها مع القصبجى والسنباطى والشيخ زكريا إلا أن الحقيقة الرقمية تقول إن كفة بليغ وعبدالوهاب هى التى منحتها القسط الأكبر من الحضور فى الألفية الثالثة.
هل كان عمرو يعنيها عندما قال للمعجبة (بتحبى مين أنا أد أبوكى)؟.. نعم كان يقصد لأنه أضاف حب المطرب، الصورة الذهنية التى صدرها للجمهور، يتعانق فيها المطرب مع الإنسان، من المستحيل أن يمسك المعجب أو المعجبة بالخط الفاصل بينهما، جنوح فى الخيال، يعيشه الجمهور مع الفنان حتى لو مر الزمن واضطر أن يقول لها: (أنا أد جدك)، ستظل حالة الحب تزداد عمقا وولها!!.