الأزمة الإيرانيّة بوصفها سجالاً حول خيارات الحرب أو التسوية التامّة، أضحت أيضاً، في جوهرها، معركة على “الزمن”. الوقت، في هذا السياق، أكثر من كونه فاصلاً محايداً بين الأحداث، أو مرادفاً للصبر أو ضبط النفس، هو أداة استراتيجيّة يتمّ تكديسها وتأجيلها وضغطها وإنكارها حسب حاجات الأطراف.
يغدو السؤال المركزيّ، والحال: من يمتلك القدرة على تحويل المماطلة والتسويف إلى مكسب جيوسياسيّ ملموس؟
ليس مفاجئاً هنا أن تتقدّم إيران على خصومها، بجدارة توظيف الوقت لخدمة أغراضها، وفق منهجيّة واضحة ومجرَّبة في جولات التفاوض السابقة. في المقابل تلعب الولايات المتّحدة لعبة الوقت من دون إدراك دقيق لما تريده من الانتظار والتأجيل والتردّد. تقف إسرائيل بمطرقة ثقيلة تتحيّن الفرصة لكسر الساعة برمّتها.
أحيا استئناف المحادثات النوويّة شعوراً مألوفاً بالحركة من دون إحراز تقدّم حقيقيّ، وهي اللعبة التي تتقن إيران التحكّم بإيقاعها الدبلوماسيّ عبر تمديد العمليّات الإجرائيّة وتجميد النتائج الفعليّة. لطالما كانت المفاوضات بالنسبة لطهران، منظومة للتحكّم في المناخ العامّ المحيط بأزماتها السياسيّة، وآليّة لخفض مخاطر أيّ تحرّك خارجيّ. يضاف إلى ذلك الآن أنّها فرصة لترسيخ الأوضاع في الداخل، بعد شهور من الاضطرابات التي تُوّجت بتظاهرات غير مسبوقة في كثافتها واتّساع رقعة انتشارها.
فرصة للعقاب البارد
وفّرت لقاءات مسقط بهدا المعنى فرصة لنظام خامنئي لأن ينتقل من العنف العشوائيّ في الشوارع، تحت ضغط تهديد ضربة أميركيّة أو إسرائيليّة، إلى العقاب البارد والممنهج للمعارضين، ومن موقع دولة أكثر ثقة وقسوة. وظّفت أجهزة النظام التردّد الأميركيّ، وسقوط وعد الرئيس دونالد ترامب للإيرانيّين بأنّ “الدعم في الطريق إليكم”، من أجل تفكيك شبكات المعارضة، وإنهاكها وتبديد الزخم الثوريّ الذي اكتسبته.
في اللحظة التي يقتنع فيها نتنياهو أنّ واشنطن مستعدّة للتعايش مع إيران على حافة السلاح النوويّ، ستتغيّر الحسابات بحدّة
في المقابل، لا تبدو واشنطن مدركة تماماً لما تريده من لعبة الانتظار التي دخلتها. أثبت الرئيس دونالد ترامب استعداده لضرب إيران، حين أمر في حزيران الفائت بقصف منشآت المشروع النوويّ في فوردو ونطنز وأصفهان. كما أمر ترامب في الأسابيع الماضية بتصعيد الانتشار العسكريّ الأميركيّ البحريّ قبالة طهران ليقدّم دليلاً إضافيّاً على عزمه ضرب إيران إن لم تلتزم بتنفيذ مطالبه. ثمّ أرسل الرئيس نفسه إشارات تدلّ على رغبة في التفاوض وإبرام الصفقات، بحثاً عن نتائج تجنّبه تحمّل تبعات الفوضى.
تعيش هذه النزعات المتناقضة جنباً إلى جنب من دون حسم، وهو ما يجعل الولايات المتّحدة تبدو فاقدة لاتّجاه استراتيجيّ واضح. هي لا تريد انهيار النظام وما يتبعه من مسؤوليّات، ولا تريد إيران نوويّة، ولا تريد الحرب ما لم تضمن حرباً خاطفة وقصيرة ومضمونة النتائج بعدها. كلّها رغبات لا يمكن أن يصمد تعايشها طويلاً قبل أن يصطدم بعضها ببعض أو تؤدّي إلى خسائر فادحة، كتلك التي ترتّبت على انهيار معنويّات المتظاهرين الإيرانيّين بعد أن تُركوا لمصيرهم.
إسرائيل غير مقتنعة
وحدها إسرائيل، ترى في الزمن تهديداً وجوديّاً وليس مساحة للمناورة. لا يقيس بنيامين نتنياهو الملفّ الإيرانيّ بجولات التفاوض أو حسابات الدورات الانتخابيّة، بل يقيسه بمعدّلات القدرة التقنيّة التي تكتسبها إيران ومنسوب المناعة المعنويّة للنظام. تعلّمت إسرائيل ألّا تثق في مخرجات الحلّ الدبلوماسيّ الذي يعِد بالسيطرة غداً مقابل التغاضي اليوم. ما زيارة نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب يوم الأربعاء المقبل إلّا جزء من السعي الإسرائيليّ الحثيث لقتل الدبلوماسيّة وتقويض فوائد المماطلة عبر الضغط السياسي المباشر على حليفه، الذي يُضاف إلى عمليّات الظلّ الأمنيّة التي ستشهد ولا بدّ ازدهاراً لافتاً في الأسابيع المقبلة.
الأزمة الإيرانيّة بوصفها سجالاً حول خيارات الحرب أو التسوية التامّة، أضحت أيضاً، في جوهرها، معركة على “الزمن”
تخشى إسرائيل أن تدفع واشنطن نحو صفقة مشوّهة، تنطوي على اتّفاق محدود يُرضي غريزة ترامب للإعلان عن فوز من دون حلّ حقيقيّ للمشكلة. الأخطر هو دخول الولايات المتّحدة وإيران في حالة تعايش غامض، بلا اتّفاق رسميّ أو إعلان، حيث يتفاهم الطرفان ضمناً على أن تُبقي إيران تخصيبها دون عتبة الـ60%، ولا تصعّد أميركا حرب العقوبات أكثر.
إيران
على الرغم من أنّ كلّ شهر إضافيّ من المفاوضات يُضاعف وطأة العقوبات التي تخنق الاقتصاد الإيرانيّ، إلّا أنّ هذا النزيف البطيء تحوّل، في مفارقة صادمة، إلى أداة سياسيّة فعّالة بيد النظام. العقوبات المستمرّة لا تضعف مفاصل الدولة الأمنيّة بقدر ما تفتك بالطبقة الوسطى، التي تمثّل تقليديّاً وقود الاحتجاجات ومنبع التغيير. مع الانهيار المعنويّ الذي أصاب الحراك الاحتجاجيّ، تشكّلت بيئة اجتماعيّة معقّدة يصعب فيها حاليّاً تحويل الضغط المعيشيّ إلى زخم ثوريّ جديد.
أمام إدراك طهران لصعوبة التوصّل إلى تسوية شاملة تُفضي لرفع العقوبات، انتقل النظام من مربّع طلب الحلّ إلى استراتيجية إدارة الأضرار، مستخدماً العقوبات كوسيلة لعزل الداخل وإعادة صياغة الولاءات عبر البطاقة التموينيّة واقتصاد الأزمات.
الحصار مخرج استراتيجيّ
في المقابل، تجد واشنطن في استمرار هذا الحصار مخرجاً استراتيجيّاً مثاليّاً، يحفظ الهيبة الأميركيّة ويمنع الانزلاق نحو حرب مباشرة مكلفة، من دون أن يكبّد الخزانة أعباءً تُذكَر. بل إنّ مفاعيل هذه العقوبات تجاوزت الحدود الإيرانيّة لتصبح ورقة ضغط رابحة في صراع القوى العظمى، حيث تسعى واشنطن عبرها إلى حرمان الصين من ميزة النفط الإيرانيّ الرخيص، والتلويح بفرض عقوبات ثانويّة على بكين، وهو ما يحوّل الملفّ الإيرانيّ من أزمة إقليميّة إلى أداة في استراتيجية احتواء التنّين الصينيّ.
لا تبدو واشنطن مدركة تماماً لما تريده من لعبة الانتظار التي دخلتها. أثبت الرئيس دونالد ترامب استعداده لضرب إيران
إزاء هذا الواقع ستجد إسرائيل نفسها أمام خيار التصعيد الأحاديّ أو القبول بواقع لا يطاق. الراجح في هذه الحالة أن تخلق إسرائيل ما يكفي من الاحتكاك الأمنيّ الذي يعدّل مسار الانجراف نحو لعبة التسويف الدبلوماسيّ التي تفضّلها إيران، وتحت سقف عدم التسبّب بإشعال حرب شاملة.
وعليه تعيش المنطقة في ظلّ توازن صعب داخل لعبة الوقت، بين إيران التي تلحّ على تمديد الزمن، وواشنطن التي تنخرط فيه وتسعى لتشكيل مخرجاته لصالحها في سنة انتخابيّة حسّاسة، وإسرائيل التي تسعى إلى ضغطه أكثر ما أمكن.
بيد أنّ هذا الواقع غير مستدام بطبيعته. كلّما زاد استخدام المفاوضات كبديل للوضوح الاستراتيجيّ، زاد اقتناع إسرائيل بأنّ التأخير في حدّ ذاته هو التهديد الأكبر. في اللحظة التي يقتنع فيها نتنياهو أنّ واشنطن مستعدّة للتعايش مع إيران على حافة السلاح النوويّ، ستتغيّر الحسابات بحدّة، وقد تنتقل المعالجة الإسرائيليّة من العمليّات السرّيّة إلى المواجهة العلنيّة.
التوازن الراهن الذي يبدو فيه كلّ طرف مدركاً لحسابات الآخر وخطوطه الحمر، وأنّه يستطيع مطّ الزمن أو عصره قليلاً بعد، هو توازن مخادع. مثل هذه المنظومات لا تنهار تدريجيّاً، بل تنكسر تماماً في اللحظة التي ظنّ فيها الجميع أنّها شديدة التماسك، كما حصل صبيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.