قامت الدنيا ولم تقعد على النائبة أميرة صابر حين طرحت اقتراح التبرع بالجلد وإنشاء بنك بدلاً من استيراد الجلد لمرضى الحروق الضحايا الغلابة الذى يموت منهم الأطفال والكبار الذين نسبة الحروق فيهم شديدة، لكن وقفت جحافل الرافضين من أصحاب ثقافة الكهف وسماسرة الدين، وتناولتها السوشيال ميديا بالتجريح والإهانة، وكأنها قالت كفراً، وكأنه ليس لدينا بنك عظام رائع أسسه د. وليد عبيد، وكأن العظام حلال والجلد حرام، كل هذا الرفض نتيجة غياب البديهيات العلمية، وسنحاول فى هذا المقال تبسيط الموضوع للقراء وأيضاً لكن سيتخذ القرار.
يعد الجلد أكبر عضو فى جسم الإنسان، وأحد أهم خطوط الدفاع الحيوية ضد العدوى وفقدان السوائل واضطراب تنظيم الحرارة، ولهذا السبب، يمثل فقدان الجلد – كما يحدث فى الحروق الشديدة أو الجروح الواسعة – حالة طبية حرجة قد تهدد الحياة، من هنا ظهرت أهمية التبرع بالجلد وتطورت معه مفاهيم بنوك الجلد وبنوك الخلايا الجلدية كجزء أساسى من الطب الحديث وعلاج الحروق والطب التجديدى، لكن يظل السؤال مطروحًا: هل التبرع يكون بالجلد نفسه أم بخلاياه؟، وهل توجد بنوك جلد فى العالم العربى كما هو الحال فى الدول المتقدمة؟.
أولًا: ما المقصود بالتبرع بالجلد الذى طرحته النائبة؟، التبرع بالجلد هو إجراء طبى يُقصد به استخدام جلد إنسان آخر – أو خلايا مأخوذة منه – لعلاج مريض فقد مساحات كبيرة من جلده، وغالبًا بسبب الحروق الشديدة أو الجراحات الكبرى أو القروح المزمنة. والجلد هنا ليس مجرد غطاء، بل عضو حيوى يحمى الجسم من العدوى ويمنع فقدان السوائل ويحافظ على التوازن الداخلى.
ثانيًا: هل التبرع يكون بالجلد نفسه أم بخلايا الجلد؟، فى الطب الحديث، توجد صورتان مختلفتان تمامًا للتبرع، لكل واحدة دورها وتوقيتها:
١. التبرع بالجلد نفسه (Skin Tissue Donation) فى هذه الحالة يتم أخذ رقع جلدية حقيقية، غالبًا من متبرع متوفى حديثًا أو أحيانًا من متبرع حى، وتشمل: طبقة البشرة، وجزءًا من طبقة الأدمة، هذا النوع يُستخدم أساسًا فى حالات الطوارئ القصوى مثل الحروق الواسعة جدًا، حيث يعمل الجلد المتبرع به كـغطاء واقٍ مؤقت، وسيلة لتقليل العدوى، حاجز يمنع فقدان السوائل، عامل لتخفيف الألم، وغالبًا لا يندمج هذا الجلد بشكل دائم فى جسم المتلقى بسبب الرفض المناعى، لكنه يؤدى دورًا منقذًا للحياة حتى تسمح حالة المريض بزراعة جلده الذاتى لاحقًا.
٢. التبرع بخلايا الجلد (Keratinocyte Donation)
هنا لا يتم نقل الجلد كنسيج، بل تُؤخذ عينة صغيرة جدًا من الجلد لعزل الخلايا الكيراتينية، وهى الخلايا الأساسية المكوِّنة للبشرة، تُزرع هذه الخلايا فى المعامل المتخصصة، حيث تتكاثر وتُحوَّل إلى صفائح جلدية تُستخدم لاحقًا فى التغطية الدائمة للجروح.
الميزة الجوهرية لهذه الطريقة أن: قطعة جلد صغيرة بحجم طابع بريد يمكن أن تُنتج مساحات واسعة من جلد جديد، وتُعد حلًا ثوريًا فى الحروق الكارثية والطب التجديدى، لكن ما هى الخلايا الكيراتينية؟، الخلايا الكيراتينية تشكّل حوالى ٩٠٪ من خلايا طبقة البشرة، وهى المسؤولة عن إنتاج بروتين الكيراتين الذى يمنح الجلد قوته ومرونته ووظيفته الواقية، تمر هذه الخلايا بدورة حياة تبدأ فى الطبقات العميقة للبشرة، ثم تنضج تدريجيًا حتى تصل إلى السطح وتكوّن الطبقة القرنية الواقية.
أهميتها الطبية تكمن فى أنها: أساس التئام الجروح، والعمود الفقرى لزراعة الجلد المعملية، عنصر محورى فى الطب التجديدى والهندسة النسيجية، بنوك الجلد موجودة فى الخارج وبشكل واسع ومنظَّم، فى أوروبا، والولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، واليابان، توجد بنوك جلد رسمية تخضع لقوانين صارمة وتشرف عليها هيئات صحية وطنية، وهذه البنوك تنقسم عادة إلى:
بنوك جلد (Tissue Banks): تخزّن رقع الجلد (البشرة + الأدمة) للاستخدام العاجل.
بنوك خلايا (Cell Banks): متخصصة فى عزل وزراعة الخلايا الكيراتينية لأغراض علاجية وتجديدية طويلة المدى، لكن حتى الآن، لا توجد بنوك جلد وطنية متكاملة ومعروفة فى الدول العربية بالشكل الموجود فى الغرب، رغم وجود مراكز حروق متقدمة ومحاولات بحثية محدودة، فإن بنوك الجلد – كنظام مؤسسى شامل – ما زالت غائبة، وتعود الأسباب إلى:
* نقص التشريعات الخاصة بالتبرع بالأنسجة.
* ضعف الوعى المجتمعى.
* تعقيدات ثقافية ودينية رغم وجود فتاوى تبيح التبرع.
* ارتفاع التكلفة التقنية لإنشاء هذه البنوك.
توجد استثناءات جزئية فى بعض المستشفيات الكبرى فى السعودية وأبو ظبى، لكنها ليست منظومة وطنية متكاملة، لكنها بداية، ونستطيع أن نقول إن بنك الجلد المنافس للغرب فى المنطقة هو فى إسرائيل، باختصار غياب بنوك الجلد يعنى: الاعتماد على حلول مؤقتة ومحدودة، صعوبة إنقاذ حالات الحروق الكبرى، تأخر إدخال تقنيات الطب التجديدى، زيادة معدلات المضاعفات والوفيات، فى المقابل، وجود بنك جلد وطنى يمكن أن: يُنقذ آلاف الأرواح سنويًا، يُقلل تكلفة العلاج طويل المدى، يفتح بابًا للأبحاث الطبية المتقدمة.
التبرع بالجلد ليس مفهومًا واحدًا، بل منظومة متكاملة تشمل: الجلد كنسيج لإنقاذ الحياة فى الطوارئ، الخلايا الكيراتينية لبناء جلد جديد دائم، والعالم المتقدم يملك بنوك جلد متطورة منذ فترة طويلة، بينما لايزال العالم العربى فى بداية الطريق، ومع تزايد الحاجة الطبية ووضوح الإطار الدينى والأخلاقى، يبقى السؤال الحقيقى ليس: هل يمكن إنشاء بنوك جلد عربية؟، بل: متى نبدأ.