بقلم : فاطمة ناعوت
تصوّروا مجتمعًا يُدين ويسجنُ ويقتلُ شخصًا ما، فقط لأنه يفكّر ويسأل! رغم أن «السؤال» هو بدايةُ كل اختراع، وعتبةُ كل حضارة وتقدم. فلولا السؤال ما انحنى البرقُ ليغدو كهرباء، وما تحول الحجرُ إلى عجلة، وما سَلّم الليلُ مفاتيحه للمصباح، وما تحول تساؤل «الإخوة رايت» إلى طائرة ومركبة فضائية. لكن المجتمعاتِ الكسولة تكره مَن يفكّر وتصبُّ عليه اللعنات؛ لأنه يفتح الستارة فجأة فيوجع وهجُ الشمس العيونَ الناعسة. فى كتاب: «دفاع سقراط» (Apology of Socrates) الذى كتبه «أفلاطون» عام ٣٩٩ قبل الميلاد ليوثّق ويُخلّد لحظات محاكمة أستاذه وإعدامه، وصف «سقراط» نفسَه بأنه «ذبابةُ الخيل» التى أرسلها اللهُ لتوقظَ مدينة «أثينا» من سُباتها الفكرى. وكأن مجتمعه حصانٌ كسول غارقٌ فى النعاس ويكره من يوقظه. كان يرى أن وظيفته هى إزعاج الناس بالأسئلة، لا طمعًا فى إجاباتٍ، بل ليدفعهم نحو الفضيلة وتدبير شؤون الروح والارتقاء بالنفس والأخلاق، بدلاً من الركض خلف المال والجاه والسلطة. ثم قصَّ عليهم النبوءةَ التى يعرفها الجميعُ سلفًا: حين سُئلت «كاهنة دلفى»: «مَن أحكم البشر؟» فأجابت: «سقراط»، فأعادوا سؤالها: «هل هناك مَن هو أحكم من سقراط؟»، أجابت: «لا». لم يبتهج الفيلسوفُ لسماع تلك النبوءة، بل قال للحكماء فى أسًى: «الفارق بينى وبينكم: أنكم تظنون أنكم تعلمون كل شىء، بينما أنا أعرفُ أن هناك الكثير مما لا أعرفه». ثم قال عبارته الخالدة: «أنا أحكمُ منكم بهذا القدر فقط: أننى لا أظنُّ أنى أعلمُ ما لا أعلم». وهذى العبارة ليست من تواضع العلماء، بل هى منهجٌ معرفىٌّ كامل.
وجّهت المحكمةُ للفيلسوف الكبير تهمًا ثلاثًا: إفساد الشباب، عدم الإيمان بآلهة أثينا، استحداث آلهة جديدة. وأنكر «سقراط» جميع التهم، ورفض التوسل للمحكمة أو استدرار عطف القضاة، إذ رأى أن الخوف من الموت نوعٌ من «ادعاء المعرفة»، فالموت قد يكون خيرًا عظيمًا، ولا ينبغى للإنسان أن يخشى ما لا يعرفه. لم يقف «سقراط» فى المحكمة بصفته متهمًا يرنو للبراءة ويطلب النجاة، بل كحكيم اكتشف، وكشف للناس، أن السؤال أخطرُ من السيف لأنه يزعجُ النيام، وأن التفكير «جريمةٌ» فى مجتمع يسير بالعادة ويكره التأمل. دافع «سقراط» عن «الفكرة والمبدأ» لا عن نفسه. فلم يكن دفاعُه نصًّا قانونيًّا، بل كان بيانًا وجوديًّا ودرسًا خالدًا فى احترام التأمل والتفكير والعلم، إذ أعلن الفيلسوفُ أن الحياة التى لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش، وأن الصمتَ عن الزيف خيانةٌ للروح. دفع «سقراط» عن نفسه تهمة «إفساد الشباب»، قائلا: «بل أنا أجولُ فى الشوارع، لا همَّ لى إلا إقناع الناس، شبابًا وشيوخًا، بألا يهتموا بأجسادهم أو أموالهم، بل بكيف يجعلون نفوسهم فاضلةً ومجتمعهم صالحًا متماسكًا». ثم هتف فى وجه الجميع: «أيها الأثينيون، أنا أحبكم وأحترمكم، ولكنى سأطيع اللهَ لا أنتم، وما دام فِيَّ عرقٌ ينبض وقوةٌ تسعفنى، فلن أكف عن الفلسفة». وحين انتهت المحاكمةُ بالإدانة وحُكم عليه بالموت، قال: «أما وقد حانت ساعةُ الرحيل، فليذهب كلٌّ منا فى سبيله: أنا إلى الموت، وأنتم إلى الحياة. وأيّنا يمضى إلى المصير الأفضل؟ ذلك غيبٌ لا يعلمه إلا الله». حاول تلامذته إقناعه بالهروب، لكنّه رفض بكل حسم، احترامًا لمبادئه واحترامًا لقوانين مدينته، مهما كانت ظالمة وغير منطقية، ليصير بهذا: أول «شهداء الفكر» فى التاريخ. ومازال الشهداءُ يتساقطون فى كل عصر حتى اليوم. لم يدافع «سقراط» عن براءته، بل عن حقّ العقل فى أن يكون شوكةً فى خاصرة الطمأنينة الكاذبة. لكن المدينة «المطمئنة» رأت فى أسئلته خرقًا للأمن الرمزى، لا لأن الرجل كان كافرًا، بل لأنه كان يقظًا. واليقظةُ فى مجتمعات النعاس ضربٌ من العصيان. «سقراط»، ككلّ مفكر، فى جوهره، صوفيّ بلا محراب. لم يعتزل الناس، بل نزل إليهم، ليمارس «رياضة السؤال» فى السوق، حيث الضجيج أعلى من التأمل. كان يؤمن بأن الجهل ليس فى عدم المعرفة، بل فى الادّعاء الكذوب بالمعرفة. وهذه وحدها كافية لأن تجعل منه خطرًا على السائد، لأن كل نظامٍ يقوم على وهم الكفاية، يخشى من يفضح هشاشته.
وتظلُّ تهمةُ «الكفر»، أقدمَ حيلةٍ فى تاريخ قمع الفكر. كل من يخالف التصوّر الجمعى عن فكرة راكدة تناقض العقل، يُرمى بالكفر. «سقراط» لم يحارب الدين، بل رفض توظيفه لجنى المغانم، وظلم الناس. آمن بأن العلاقة بين الإنسان والخالق، لا تمر عبر الطقوس وحدها، بل عبر الضمير ابتداءً. وهنا يلتقى بالفكر الصوفى، حيث يصبح الإيمانُ تجربة إنسانية رفيعة تتجلى فى صلاح السلوك ونقاء الروح، لا زيفًا شكليًا للفوز بمغانم الحياة. مات «سقراط» وعاش «السؤال»، وما زال الجلادون يخشون الأفكارَ التى تنجبها الأسئلة.