بقلم - أمينة خيري
كل عام والجميع بخير. بدأ شهر رمضان، وبدأ الصوم الكبير. كل عام ومصر والمصريين بصحة وسلام وتعقل وتدبر واحتكام للعقل وميل للمنطق واختيار لما فيه خير وصالح الجميع.
كل عام وإيماننا ينقينا ويدفع بنا نحو الأفضل والأرقى. كل صوم وعباداتنا شأناً شخصياً ووسيلة نتقرب بها إلى الله لا أداة إشهار أمام الناس، أو ميكروفون استعراض عضلات، أو امتناع عن طعام وشراب وتعويض فراغ المعدة بقساوة تعامل مع المحيطين وخشونة تفكير تجاه من يختلفون عنا، وذلك من باب «أنا صائم».
كل عام وصومنا يكمل أخلاقنا الحميدة وسلوكياتنا الرشيدة واحترامنا لحقوق الغير وحرياتهم، لا استعراض قوة أو مباهاة بأعداد. كل عام وهذا الصوم وسيلة لتنقية أرواحنا وإيماننا، لا تعكيرها بظواهر «تدين» مالت إلى العنف وجنحت إلى القسوة واعوجت صوب مظاهر مع حد أدنى من الجوهر.
وكل عام وجانب معتبر من ميزانياتنا ومواردنا واهتماماتنا موجهة للعلم والتنوير والبحث والتفكير فيما يشفى المريض، ويدعم المعاق، وينقل الحضارة الإنسانية من معقول إلى جيد، ومن جيد إلى جيد جدًا. وكل عام وشغفنا صحى، فلا هو غارق فى الغيبيات والسرمديات، ولا هو مكتف بالماديات والعلوم المنكرة للعقائد والأديان. كل عام ونحن مدركون أنَ العقل خُلِق للتفكير والتنقيب والبحث، لا لتسليمه مغلقًا لآخرين تحت أى مسمى أو مبرر أو حجة.
كل عام ونحن ننأى بأنفسنا عن اتخاذ صعود التيارات اليمينية المتطرفة فى دول غربية عدة حجة لتقوية أو السكوت أو مباركة نمو ثعابين الرجعية والتخلف فى مصرنا العزيزة، وترك سمومها ترتع فى كل مكان، ونحن عنها غافلون أو متجاهلون أو مؤجلون المواجهة لأنها تريحنا من صداع المواجهة، أو لأنها تعطى معنى لحياة البعض ممن لم يجد معنى أو غاية أو هدفًا آخر.
كل عام ونحن أكثر ترفعًا وبعدًا عن الأسئلة المزمنة: هل القطرة ونقط الأذن تفطر؟ وما حكم من ابتلع كوب شاى أثناء أذان الفجر؟ وما حكم من قال «بسم الله الرحمن الرحيم» ولم يقل «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت»؟ وما حكم من جامع زوجته فى نهار رمضان وهو ناسى؟ وهل يقبل الدعاء بين العصر والمغرب؟ وما حكم صوم النصاب والحرامى والضلالى والمحتال والنشال والفاسد؟
وكل عام ونحن قادرون على أن نفش غلنا، وننفث غضبنا، ونعوض نواقصنا، ونبحث عن ثقة بعضنا الهزيلة الشاحبة الضامرة الضعيفة فى نفسه، بعيداً عن «قفا» المرأة والشابة والطفلة والرضيعة. فإما يتم البحث عن «مصرف» آخر، أو يتم علاج علة النواقص فى صحراء بعيدة عن الناس، لا سيما الإناث.
كل عام والمجتمع متطهر من ظاهرة التسول المخططة بعناية، والمرور الغارق فى فوضى، والشوارع المتروكة لتلال القمامة.
رمضان كريم، وصوم مبارك على كل المصريين، الصائمين، ومن حالت أسباب تخصهم دون صيامهم. كل عام وكل واحد فى حاله وحال صيامه.