لا شك في أن ارتفاع الأمل بإطالة سن الحياة بالنسبة إلى الجنسين يُعد انتصاراً من انتصارات البشرية، ودليلاً على جودة الحياة فوق كوكب الأرض؛ حيث إن نسبة الوفيات في صفوف الرضع تراجعت بشكل كبير جداً منذ عقود، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأطفال.
هذا الإنجاز في إنقاذ أرواح عدد كبير من الأطفال تتباهى الإنسانية به اليوم، من دون ذكر لأهم حدث أدى إلى تمنيع حياة أطفال كان يموت منهم كثيرون بشتى الأمراض.
الحدث هو اللقاح، والقصة نجاح خارق للعادة، بدأت فصوله عندما ابتكر أبو علم المناعة الإنجليزي إدوارد جينر، سنة 1796، لقاحاً ضد مرض الجدري الذي كان يعصف بحياة الناس ويفتك بها من دون رحمة، حيث كان يموت 10 في المائة من السكان بسببه، وفي البلدان التي ينتشر فيها بكثافة نحو الربع. وفي الحقيقة توالت النجاحات، وكان اكتشاف لقاحات عدة تقي الأطفال من الشلل والحصبة وغيرها من تلك الأمراض المتهمة بقتل آلاف الأطفال عبر التاريخ.
قرنان وربع القرن تقريباً هما عمر قصة نجاح غيّرت حال البشرية، فارتفع منسوب الحياة. وينطلق بداية من اليوم وحتى 30 أبريل (نيسان) الحالي «أسبوع التمنيع العالمي» الذي تنظمه الأمم المتحدة، والهدف من وراء هذه الاحتفالية تنمية الوعي بأهمية اللقاحات التي تسعى إلى إنقاذ الأرواح البريئة.
إن المتأمل في تاريخ اللقاحات وعظمة أصحابها يتوقف عند المعنى الذي يعبر عنه كل لقاح تلقيناه، ونحن في الأسابيع والأشهر والسنوات الأولى من أعمارنا؛ فهو يتجاوز تلك الحقنة الموجعة التي ترفع حرارتنا إلى شيء آخر يبدو لنا نبيلاً، وهو إنقاذ حياة الإنسان، وتسليحه مع كل تلقيح بدرع يقيه تقلبات الطبيعة ضد الجسد.
ولكن ما يلفت الانتباه أن قصة النبل والنجاح عرفت أزهى ثمراتها، في القرن ونصف القرن الأولَيْن، ثم حصل نوع من الانكماش، وكأن ما يمكن ابتكاره في مجال اللقاحات كان كافياً ولا يستحق اكتشافات أخرى.
ما نتجاهله حقاً هو أن العلماء الذين اكتشفوا اللقاحات التي غيَّرت وجه الإنسانية قد قدموا ساعتها حلولاً كانت في زمنها معجزات وثورة كبيرة، في حين أن علماء اليوم اكتفوا بالعمل على هذه اللقاحات، مع بعض التطويرات من خلال تقنية الدمج، والحال أن مشكلات الإنسانية اليوم تحتاج إلى حلول تقضي على التوحّد والصرع، خصوصاً الأمراض الخبيثة التي تحصد سنوياً 10 ملايين من البشر، وهي أمراض لا تختلف في شيء عن مرض الجدري المعدي؛ الأمر الذي يوجب عدم التكاسل في غيره من الأمراض الفاتكة اليوم وبشراسة.
طبعاً لا تفوتنا حقيقة مؤلمة، وهي أن اللقاحات المكتَشفة منذ عقود طويلة هي مع الأسف ليست في متناول كل أطفال العالم، حيث إن الأرقام تقول إن 14 مليوناً حول العالم لم يتم تطعيمهم. يحدث هذا الحرمان من الحقوق في الصحة والحياة، خصوصاً في مناطق بؤر التوتر والصراعات، ورأينا قبل سنة أو أكثر كيف تم منع هيئات صحية أممية من الدخول لقطاع غزة لتطعيم الأطفال.
ما يلفت الانتباه أنه منذ سنوات طويلة لم يظهر لقاح يسعد الإنسانية ويحل لها مشكلاً من المشكلات العويصة المتراكمة التي تحتاج إلى مجهودات بحثية نوعية تضاهي قيمة البحوث التي أدَّت إلى ابتكار لقاح ضد الجدري، مثلاً، في أواخر القرن الثامن عشر.
فالفتوحات العلمية الطبية الكبرى هي التي اشتغلت على الوقاية أكثر من العلاج، لأن هذا الأخير عبارة عن أسواق مفتوحة تستثمر في خوف الناس من الموت وتعلُّقهم بالحياة، وفكرة أن العلاج ضرورة، في حين أن الوقاية ستظل سوقاً غير مربحة بنفس الشكل.
في الحقيقة فإننا اليوم أمام أكثر من تحدٍ: الأول حق جميع أطفال العالم، ومن دون استثناء، في التطعيم، ومن الضروري أمام العدد الهائل من الأطفال المحرومين من حق إنقاذ حياتهم أن تتبنى الأمم المتحدة سياسة أكثر صرامة، حتى ولو استدعى الأمر أن يكون التطعيم من مشمولات مجلس الأمن الدولي، باعتبار أن السياسة وأهوالها تفعل فعلها في التلاعب بأرواح الأطفال وصحتهم.
إذن لا بد من أن يستفيد كل أطفال العالم من ثورة عمرها تجاوز القرنين في مجال قهر الأمراض القاتلة المعدية من خلال التطعيم.
أما التحدي الثاني، فيتمثل في تعثر تواصل مسار الثورة اللقاحية، حيث توجَّه اهتمام علماء الطب نحو علاج أمراض العصر، وهو توجُّه لم يُنتِج في حالة الأمراض المستعصية إلا المرافقة الطبية للأمراض والحالات التي تُستعصى أكثر من التي يُقضى عليها، وهو ما يبدو واضحاً في أمراض المناعة الذاتية والأمراض السرطانية الجينية. ولعل غلبة الفشل على النجاحات في التوجه العلاجي هو ما يجب أن يدفع إلى تغيير الخطة البحثية أو على الأقل المزاوجة بين العلاج واللقاحات الوقائية، حيث يحق لنا بعد اكتشاف لقاح ضد الجدري في عام 1796 أن نتساءل: لماذا لم ننجح في إيجاد لقاح ضد الصدفية والبهاق والثعلبة وأمراض السرطان على أنواعها...؟!
إن «أسبوع التمنيع العالمي» مناسبة ليس فقط لتنمية الوعي بأهمية اللقاحات بل أيضاً فرصة لتحميل علماء الطبّ مسؤولياتهم في حل مشكلات البشرية الصحية الراهنة من خلال اللقاحات.