بقلم : د. آمال موسى
لم تحظَ قضية تغيرات المناخ بالجدية الدوليّة اللازمة رغم أن الحديث عنها بدأ تقريباً منذ تسعينات القرن الماضي، حيث تم التعاطي مع هذه القضية كمسألة نظرية محضة حتى رأى العالم كيف أن تغييرات المناخ باتت واقعاً وحقيقة ثابتة يُلحظان بالعين ونسمع تداعياتهما المأساوية التي تتصدر نشرات الأخبار شتاءً بأخبار الفيضانات الطوفانية، وفي الصيف بحوادث الحرائق الهائلة.
وفي الحقيقة، فإن الاكتواء بتغيرات المناخ شيء مختلف تماماً عن متابعة قمة دولية عن المناخ وتهديداته وكيفية تمويل إدارة أزمة المناخ. لذلك فإنه يبدو لنا أن قضية تغيرات المناخ كمسألة جديّة جداً ستعرف منعرجاً في التعامل معها من منطلق كونها أضحت واقعاً دولياً نعيشه وليس تهديداً نستشرفه من بعيد.
وليس خافياً تواتر الحرائق في المغرب العربي خلال هذه الأيام، وهي ظاهرة ليست وليدة هذا الصيف الحالي فحسب بقدر ما بدأت منذ سنوات مع ارتفاع ملحوظ في حجم الحرائق وتوسعها. وهو ما يؤكد ما ورد في دراسات عدة من سنوات طويلة مفادها أن المغرب العربي من أكثر أقاليم العالم العربي والشرق الأوسط هشاشة وتضرراً من التغير المناخي. ويعود هذا التهديد المرتفع لعوامل عدة من أهمها موقع منطقة المغرب العربي نفسه الموجود فيما يسمى النقطة الساخنة للمتوسط، إذ يشير الخبراء إلى أن درجة الحرارة ترتفع بمعدل أسرع بنسبة 20 في المائة من المعدل العالمي، وهي نسبة كبيرة.
وبسبب الموقع الجغرافي فقد عرفت المنطقة تعاقب سنوات جفاف طويلة وقاسية أثَّرت على القطاع الفلاحي المغاربي الذي يعتمد كما نعلم على الأمطار والزراعة البعلية. ويعد الماء مشكلة عميقة في شمال أفريقيا حيث إن شح المياه العذبة حاد جداً ممّا جعل المنطقة تُصَنَّف ضمن أول 33 دولة تعاني من الإجهاد المائي، كما يُتوقع تراجع الموارد المائية العذبة بنسبة تصل إلى 40 في المائة بحلول نهاية القرن الحالي، وهو ما يعني أن المنطقة في العقود القادمة ستجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بأهم سبب للحياة: الماء. طبعاً هذا السيناريو - لا سمح الله - متوقع في حال عدم مواجهة ومعالجة مشكلة الماء بقوة وجدية وسرعة فائقة.
وفي مقابل الحرائق التي شهدت ارتفاعاً هذا الصيف، فإن المغرب العربي عاش شتاءات قاسية كانت الفيضانات عنوانها الأبرز.
الخطوة المهمة الحاصلة حالياً هي أن تغيرات المناخ كشرت عن أنيابها بشكل صريح في المغرب العربي، وبات لزاماً على الدول المغاربية التحرك بشكل عملي وفعَّال. ذلك أن الخطط الوطنية لمواجهة الشح المائي وتغيرات المناخ بشكل عام بطيئة، مقارنة بنسق هجوم تغيرات المناخ على المنطقة.
ولا يخفى أن مجابهة مشكلة تغيرات المناخ ذات تكلفة باهظة جداً، وغالبية الدول في المغرب العربي لا تملك الموارد المالية العالية لتحقيق الاستراتيجيات الموضوعة والتي تتضمن مشروعات لتحلية مياه البحر وهي مشروعات مكلفة جداً، ولا تستطيع دول المنطقة مجابهتها، خصوصاً بعد تداعيات جائحة «كورونا»، وأيضاً الحرب الروسية الأوكرانية وآثارها على أسعار القمح والبترول. وهنا نفهم لماذا ميزانيات المشروعات ذات الصلة بتغيرات المناخ هي أقل من المطلوب.
وأمام التأثير التصاعدي الواضح لمعضلة تغيرات المناخ، فإن التكلفة الاجتماعية لن تكون هينة، إذ إن البطالة ستتفاقم والفقر سيزداد لأن تغيرات المناخ تزيد من هشاشة الفئات الهشة.
إن الحديث عن تغيرات المناخ في أوروبا والمغرب العربي والعالم بشكل عام مع التفاوت في درجات التهديد بين الدول ليس نفسه الحديث في الأمس: ففي هذا الصيف اكتوى الفرنسيون والإسبانيون والمغاربيون وغيرهم بلدغات تغيرات المناخ. والنقطة الأولى التي يمكن ملاحظتها أن المشكل المناخي وكونه مناخياً، فإن معالجته على نحو إقليمي تكون أكثر نجاعة. لذلك فإن المغرب العربي إذا ما أراد فعلاً معالجة هذا المشكل والحد من تداعياته الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الحياتية، فإن المقاربة لا بد من أن تكون إقليمية وتهم منطقة المغرب العربي ككل. وإذا كانت كل محاولات التقريب السياسي قد فشلت على امتداد قرابة أربعة عقود من تاريخ تأسيس المغرب العربي فإن الكوارث الطبيعية من حرائق وفيضانات وتراجع الموارد المائية العذبة ومشكلة الطاقة كلها ملفات حارقة تتصل بالحياة اليومية وبمقومات العيش في المنطقة ربما تكون قادرة على الانخراط في الاتحاد المغاربي من مدخل مناخي عاجل. أي أننا اليوم أمام خطر حقيقي يستلزم التضامن في المنطقة وتشبيك الاستراتيجيات والموارد والاشتغال على نقاط قوة البلدان داخل الإقليم المغاربي، ومقابلتها بالمشاكل ليسهل حلها جماعياً إقليمياً.
قد لا يحصل هذا التضامن اليوم، ولكننا نراه حاصلاً في قادم السنوات تماماً كما هو خطر تغير المناخ قادم على جناح السرعة مع خطر الفقر والكوارث.
فهل تُصلح تهديدات المناخ ما أفسدته السياسة في المغرب العربي؟