عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى

عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى

عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى

 العرب اليوم -

عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى

بقلم: أسامة غريب

هل وظيفة الفلسفة أن تجعل الإنسان سعيدا؟ لا أعتقد أن هذا دورها، فالفلسفة هى الأسئلة التى لا تنتهى، وهذه بدورها لا تجلب سوى الحيرة والقلق، ومع ذلك فهى تنير العقل وتكشف جوهر الحياة. لهذا بالتحديد يقف رجال الدين من الفلسفة موقف العداء، فرجل الدين لا همّ له سوى تدجين البشر وصبهم فى قوالب وتعليبهم بعد طرحهم أرضًا ليتمكن السياسى من إلقاء البرسيم لهم بينما يطول بهم الرقاد. ورجل الدين بالأساس هو المسئول عن شيوع المفهوم الشعبى عن الفلسفة بأنها تعنى الفزلكة والتحزلق والكلام الفارغ والابتعاد عن الموضوع وتمييع القضايا. تقول الفلسفة إن حزنًا صادقًا هو بالتأكيد أفضل من فرحة زائفة، ذلك أن الفلسفة تعنى بالصدق وتهتم بالمواجهة، أما الاختباء ومصادقة الأوهام فتبتعد تمامًا عن الطرح الفلسفى. وفى هذا السياق يرد علماء النفس بأن الفرحة الزائفة ليست بالضرورة مرفوضة خاصة إذا كان لها تأثير يهدئ من روع المريض النفسى ويفتح أمامه أبوابًا للأمل ولو على غير أساس ريثما تستعيد نفسه الثائرة هدوءها وقدرتها فى الحكم على الأشياء.

وهنا بالضبط نضع يدنا على ماهية الفلسفة ودورها، إذ إنها تخص أصحاب السواء النفسى الذين تمت معالجتهم ولم يعودوا فى حاجة للأوهام. ويمكننا هنا أن نقول إن العلاج النفسى يخلص المريض من الطواحين التى تضرب الدماغ وتعيد إليه التعاسة العادية الخاصة بالبشر.. وفى هذه الحالة يمكن للفلسفة أن تتقدم وتلعب دورها مع الإنسان الطبيعى الذى تصاحبه التعاسة العادية لا المرضية. ولهذا يمكننا أن نقول أيضًا إن الإنسان الواقع تحت تأثير رجل الدين لا يمكن أن يكون الزبون الطبيعى للفلسفة فهذا شأنه شأن المريض النفسى، بل لعله أصعب فى العلاج إذ إنه كثيرا ما يقدس الأشياء التى تطمس عقله وتحول بينه وبين فهم الحياة، كما تضع بينه وبين الطروحات الفلسفية حجبًا كثيفة بعد أن أقنعه رجل الدين بأن الأسئلة الكونية جميعها قد تمت الإجابة عليها فى الكتب المقدسة وأن باب الاجتهاد وطرح الأسئلة قد أغلق من زمان ولم يعد للأسئلة الفلسفية من دور سوى تخريب العقول وفتن الناس فى دينهم!


وما دمنا قد تحدثنا عن الأسئلة الكبرى والبحث عن إجاباتها، بوسعنا القول إنها نقطة ضعفنا الأزلية. لماذا لا نجد إلا نادرا أحدا من العرب أو المسلمين مشغولاً بالبحث عن الأسئلة المتعلقة بالكون والوجود؟ لماذا استطاع الأوروبيون الوصول إلى أمريكا واستراليا فى زمن لم تكن فيه الفجوة قد اتسعت بيننا وبينهم بدرجة كبيرة، بل كان لدينا أساطيل عربية وتركية تجوب البحار مثل أساطيلهم. ولماذا عندما نرصد قمم الجبال فى أى وقت لا نجد هناك سوى مغامرين من كندا وأمريكا وأوروبا، لكن لا نجد أبدا من بينهم شخص عربى واحد؟.. وكيف تكون المنصات العلمية الموجودة بالقطب الشمالى والجنوبى، تلك المزروعة فى الفضاء الجليدى اللا نهائى مسكونة على مدار العام بمهندسين وخبراء من روسيا وفنلندا والنرويج دون وجود شخص عربى أو مسلم من بينهم. لا أتساءل هنا عن دول متقدمة وأخرى متخلفة، بل يعنينى المواطن الذى انغمس فى هوايات وصراعات العصر الحديث بصرف النظر عن موقع بلده على سلم العصرنة، مواطن الانستجرام والتيك توك العربى.. لماذا لا تثار داخل نفس هذا المواطن أسئلة كونية تحتاج إجابتها إلى السفر التأمل ونبذ المألوف عن طريق المغامرة والرصد والانغماس الذى قد يصل بصاحبه إلى تغيير المصير والاتجاه. أعتقد أن الأسئلة الكبيرة لا يفكر فى إجاباتها سوى الذين تحرروا من ضغط الحاجات الأساسية من مأكل ومأوى وملبس، وكذلك عرفوا الحرية وتشرّبوها. لهذا قد تجد الأوروبى يذهب فى رحلة روحية إلى جبال الهيمالايا لاستكشاف الذات، أما العربى فلا يفعل ذلك أبدا لأنه حتى لو كان غنيا ودولته موسرة فإنه دائما فى حالة سعادة بالأسئلة الصغيرة التى حصل على إجاباتها من الشيخ أو القسيس أو الزعيم، فما حاجته إلى إجهاد ذهنه وإعمال عقله وتبديد طاقته فيما لا يفيد!.

لقد عرف الإنسان العربى أن الذين يصعدون إلى المريخ هم أناس ضالون يبددون مواردهم فيما لا يفيد، وفى النهاية ما الذى يحصلون عليه من مركباتهم الفضائية وبعثاتهم الاستكشافية؟ إن كل ما يعثرون عليه ويجدونه هناك مذكور عندنا فى الكتب المقدسة التى تكفّل الأولياء والصالحون بتفسيرها دون أن يتحركوا من أماكنهم، ومَن يملك الإيمان فى قلبه كما نعلم يمكنه أن يمشى على الماء كما يمكنه أن يطير فى الهواء، بل وقد يتمكن من تحريك جبل المقطم من مكانه!. لقد تفضل أحد الشيوخ المتصيتين ذات مرة وجاء بها على بلاطة عندما قال: دع الأجنبى يبحث ويستكشف ويكد ويتعب، ونحن فى النهاية سنحصل على ناتج اختراعه.. لقد سخره الله لنا كما سخر البهائم والأنعام. لهذا فإنك لن تجد عربيا مغفلا فوق قمة جبل إفرست ولا مسلما ساذجًا داخل مكوك فضائى ولا مواطنًا شرق أوسطى مهموما بالبحث عن حقيقة الخلق وراغبا فى الوصول إلى سر الحياة، لكنك ستجد هؤلاء وقد شدوا الرحال إلى شارع إيدجوير فى لندن وجلسوا يشدون أنفاس الشيشة على الرصيف موجهين طاقة التأمل داخلهم إلى النساء العربيات اللاتى يتبخترن فى كامل زينتهن التى يخفينها فى الديار ويعرضنها بسعادة فى شوارع لندن!


لن نعرف الأسئلة الكبرى ولا إجاباتها ما دام الكاهن يعترض طريقنا، والسياسى يفضلهم رعيّة جاهلة لا يشغلها سوى تدبير الوجبة القادمة!

 

arabstoday

GMT 12:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

قصَّر في الأعمار طول السهر

GMT 11:25 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 11:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:16 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 03:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والاستقلال المنقوص

GMT 03:09 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ العرب اليوم

GMT 17:56 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران
 العرب اليوم - ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 العرب اليوم - علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 15:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا
 العرب اليوم - احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا

GMT 06:35 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البيرو تسجيل 700 هزة أرضية منذ بداية سنة 2026

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 08:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

غارات جوية روسية تستهدف جسرًا في العاصمة الأوكرانية كييف

GMT 05:47 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

إنفانتينو يخسر دعم بلده سويسرا في حملته لرئاسة الفيفا

GMT 15:00 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بزشكيان يؤكد استعداد إيران للحوار مع واشنطن رغم الخلافات

GMT 03:35 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيلون ماسك يثير الجدل بحيلة طبية لتخفيف حرقة المعدة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 18:11 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

العصابات المسلحة تختطف وتهاجم في غزة وسط قصف إسرائيلي

GMT 06:05 2026 الأربعاء ,30 أيلول / سبتمبر

جددي ديكور منزلك بالمرايا في خريف 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab