بقلم : دكتور زاهي حواس
قد لا يعلم الكثيرون بأن هناك معبداً من مصر القديمة تم نقله من مصر وإقامته داخل متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك! وداخل المتحف، وتحديداً أمام المعبد المصري تُقام احتفالات ثقافية ومحاضرات تدر على المتحف الذي يحتضن أحد أهم المعابد المصرية خارج مصر، وهو معبد دندور، دخلاً مادياً عظيماً.
والحقيقة أن مصر قدمت عدداً من المعابد الصغيرة هدايا إلى بعض الدول التي ساهمت في حماية آثار النوبة خلال حملة «اليونيسكو» لإنقاذ هذه الآثار من الغرق أسفل مياه بحيرة ناصر الصناعية بعد بناء السد العالي. وكانت الولايات المتحدة من أبرز هذه الدول، حيث ساهمت بمبلغ مالي كبير في ذلك الوقت. ولذلك أهدت مصر لها معبد دندور تقديراً لدورها. وقد تقرر إعادة إقامة المعبد داخل متحف المتروبوليتان، وبالفعل افتُتح للجمهور في الرابع من مايو (أيار) 1978.
شهد معبد دندور في نيويورك العديد من الفعاليات المهمة؛ فقد أُقيمت داخل قاعته احتفالية رسمية نظَّمها سامح شكري، وزير الخارجية المصري الأسبق، ودُعي إليها ممثلو عدد من الدول، وألقى كاتب هذه السطور محاضرة ضمن فاعليات تلك الاحتفالية عن أهمية المعبد وقيمته التاريخية. واستُخدم معبد دندور كذلك في مناسبات ثقافية وفنيَّة، حيث نظَّم مصمم الأزياء العالمي توم فورد واحدة من أكبر عروض الأزياء داخله، بحضور عدد من نجوم هوليوود والشخصيات العامة.يحمل معبد دندور اسم القرية النوبية التي كان يقع بها، على بُعد نحو 78 كيلومتراً جنوب أسوان، وعلى الضفة الغربية لنهر النيل، وعلى بُعد نحو 20 كيلومتراً جنوب معبد كلابشة. وكان المعبد قائماً في منطقة تحيط بها منازل السكان، مما يعكس أهميته في الحياة الدينية والاجتماعية آنذاك.
أما عن تاريخ بنائه، فيُرجَّح أنه شُيِّد في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس، رغم وجود آراء أخرى تربطه بعصور أقدم. وفي عام 579 ميلادية، تحوَّل المعبد إلى كنيسة قبطية، وهو ما يظهر من خلال بعض الرسوم والنقوش المسيحية التي عُثر عليها على جدرانه.
تميَّز تخطيط المعبد بالبساطة، إذ يتكوَّن من العناصر التقليدية للمعابد المصرية في العصرين اليوناني والروماني؛ فهو يبدأ بصرح يؤدي إلى فناء، ثم رواق داخلي، وينتهي بقدس الأقداس. وكان المعبد محاطاً بسور من الطوب اللبن، وزُينت جدرانه بمناظر للإمبراطور أغسطس وهو يقدم القرابين للآلهة، وعلى رأسهم الإلهة إيزيس، إلى جانب عدد من الآلهة الأخرى.
ويرى بعض الباحثين أن هذه المناظر لم تكن دينية فقط، بل حملت أيضاً دلالات سياسية، حيث سعت الإمبراطورية الرومانية من خلالها إلى تأمين حدودها الجنوبية عبر دعم المعتقدات المحلية وتعزيزها.
ويُعد معبد دندور مثالاً فريداً على انتقال الحضارة المصرية إلى خارج حدودها، حيث يمكن لزواره في نيويورك أن يعيشوا تجربة مصرية خالصة، وسط واحدة من أهم مدن العالم، في مشهد يعكس عظمة التراث المصري وامتداده عبر الزمان والمكان.