مخاطر مخلفات الحروب

مخاطر مخلفات الحروب

مخاطر مخلفات الحروب

 العرب اليوم -

مخاطر مخلفات الحروب

بقلم : أمل عبد العزيز الهزاني

انتهت حرب غزة التي غيرت وجه المنطقة، وتسببت بشكل مباشر أو غير مباشر بتدمير أخلفَه تعديل مسار غزة وغيرها من دول مجاورة، وكان ثمناً باهظاً لهذا التعديل. الميليشيات التي كانت تتحكم بمستقبل خمس دول على الأقل دُمّرت بناها التحتية، واغتيل قادتها، وخسرت معظم قوتها التسليحية. سياسياً، استقرت سوريا ولبنان؛ أصبحا تحت إدارة مدنية موثوقة، بعد سنوات من القتل والتشريد والتهجير. نعم، كانت حرب غزة هي المحرك الرئيس لهذا التحول، ويخلق الله الحي من الميت.

إسرائيل التي ضغطت زر التحول، يعيش نصف قياداتها السياسيين اليوم حالة من الارتياح بعد الاتفاق الذي يتضمن إطلاق سراح الرهائن بعد أكثر من عام من حياة غريبة عاشوها تحت رحمة مسلحي حركة «حماس». لكن النصف الآخر الذي يمثل اليمين المتطرف يشعر بأنه هُزم في الحرب بخروج القوات العسكرية الإسرائيلية من «محور فيلادلفيا» الذي أخّر إتمام الصفقة.

ولأهمية إبرام الاتفاق وبدء سريانه، فكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى. أطراف عدة تعزي نجاح الاتفاق لها؛ إدارة بايدن تقول إنه ثمرة جهودها طوال عام من التفاوض بوساطة مصرية وقطرية، ورحلات مكوكية لم تتوقف من وزير خارجيته توني بلينكن للمنطقة. الرئيس ترمب من جهته، وهو أمس بات في البيت الأبيض، يقول إنه لم يكن ليتحقق الوفاق على الاتفاق لولا هو. الواقع كما نراه وراقبناه، أن الجهود التي أوصلتنا إلى نجاح الاتفاق والتهدئة ووقف إطلاق النار كانت لإدارة بايدن التي خرجت من البيت الأبيض وأرادت أن تنسب لها عملية سلام مهمة كخاتمة لها، وهذا صحيح؛ الجهود والمثابرة كانت لإدارة بايدن، لكن الحسم والكلمة الأخيرة لا شك أنها لترمب الذي كان صارماً مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. وهذا الأخير لم يكن له خيار سوى إرضاء شخص ترمب القادم بقوة للتسويات وعقد الصفقات والمزيد من النجاحات التي يحلم أن تحمل بصمته. يقول أصدقاء ترمب إن بايدن كان سيظل سنوات يركض خلف اتفاق لن يحصل عليه، لكن ترمب أوقف هذا الماراثون لصالحه.

القلق الحقيقي الذي على نتنياهو واليمين المتطرف القلق منه ليس الانسحاب من غرب غزة، ولا وقف الحرب التي قد تشتعل مرة أخرى لألف سبب. القلق هو من هذا العدد الهائل من شباب غزة الذي بات اليوم بلا عمل ولا مصدر رزق. لنتذكر أن أهم أسباب الولاء للشباب المنضوين تحت لواء الميليشيات أياً كانت، هو المال؛ المرتبات التي كانت تفتح بيوتاً وتزوّج الشباب وتعلمهم وترعى أسرهم. مئات الآلاف من الشباب في غزة وسوريا ولبنان يبحثون عن مصدر رزق؛ لقمة عيش، في ظل ظروف العوز والدمار التي لحقت بهم. هذا هو الخطر الحقيقي ليس على إسرائيل فقط، بل كل بلدان المنطقة. المجتمع الدولي والدول الداعمة هبّت لإرسال شاحنات المساعدات التي تحمل الغذاء والكساء، لكن من المهم فهْم الأولويات بعد ذلك. في غزة مثلاً، المساكن مدمرة، والركام نراه من الأقمار الاصطناعية وكأنه سجاد ممتد على طول القطاع. أين سيعيش هؤلاء؟ العراء ليس خياراً متاحاً. من المهم ترتيب الأولويات بحيث تتضمن إعادة بناء المستشفيات كحالة مستعجلة، أما المدارس والمنازل والمؤسسات، فستحتاج سنوات من العمل المتواصل، ومن الصعب تخيل انتظار الناس إنجاز هذه المشاريع طوال هذا الوقت. الحل المعقول هو المساكن المؤقتة ذات التركيب الصفائحي التي تُبنى عادةً في ظروف الكوارث الطبيعية، والملاجئ لأنها سهلة التركيب، وتؤدي الغرض منها ريثما يُعاد البناء الخرساني.

أعود لنقطة الشباب وأهمية احتوائهم. كان «حزب الله» يؤمّن حياة عناصره، هذا أهم سبب جعل أهالي عناصر الحزب يشعرون باليتم تجاه تدميره، رعايتهم كانت جزءاً لا يتجزأ من ولائهم، وكانت الموارد مضمونة من الخُمس المفروض من المذهب الشيعي على أهله. أما في سوريا فكانت تجارة النفط في السوق السوداء، والنهب، أساس مصادرهم المالية، وهذا الأمر اليوم بات صعباً في وجود مراقبة أمنية ودعم دولي لسوريا. حالة جديدة فرضها الأمر الواقع، وعلى الجميع الحذر منها.

هناك حكمة قديمة تقول إن رجلاً جائعاً سُئل عن دينه فقال: لا أذكر. وهو فعلاً لا يتذكر؛ لأن الجوع يشتت الدماغ ويُشقي الروح. الشباب العاطلون عن العمل، هم قنبلة موقوتة في بلدان توّاً توقف فيها صوت إطلاق النار، يمكن تجنيدهم كمرتزقة، أو لإعادة بناء البنية البشرية للميليشيات، ويمكن أن يتحولوا لرجال عصابات، وتهريب المخدرات، وغيرها من منافذ الشرور. ما الحلول المأمولة إذن؟ أقل ما يمكن التفكير به في هذا الوقت الحرج هو إشراك الشباب في إعادة البناء، أن تقوم حكومات لبنان وغزة وسوريا بإسناد مهام البناء، سواء البناء الخرساني أو بناء النظام الإداري، إلى العائل والشاب، وإطلاق يدهم في مهام صغيرة ومتوسطة تؤمّن لهم لقمة عيش لا يضطرون معها إلى المضي في مسالك الشيطان. لن ينسى هؤلاء الشباب من سيقف معهم في محنتهم، ويستر عورة بيوتهم؛ ستكون نقطة تحول في حياتهم بعد معاناة طويلة من التشرد والنزوح وفقدان الهوية.

ومع ذكر الوفاء، أختم مقالي بأن أضع إصبعي في «غرشة» عطر، لأعطر كلماتي للموقر الأستاذ الكبير سمير عطا الله، أبرز دعائم الكتابة الصحافية والأدبية في الوطن العربي، الذي أثنى عليَّ في مقاله الكريم: «ما قال... لا ما يقال»، وأسبغ عليَّ ما هو أهلٌ له، وما أنا عاجزة أمامه حياءً، من إطراء لمقالاتي التي يتابعها كرماً منه ودعماً لا شك أنني أصبو إليه. فشكراً معطرة لحضرة جنابكم.

 

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مخاطر مخلفات الحروب مخاطر مخلفات الحروب



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:07 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

مقتل 11 جنديًا سوريًا بواسطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

GMT 07:59 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

3 شهداء جراء استهداف الاحتلال لسيارة طاقم إعلامي وسط غزة

GMT 08:03 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يعترض طائرة مسيرة تحمل 10 أسلحة نارية

GMT 19:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترمب يؤكد رفض استخدام القوة في ملف غرينلاند خلال خطاب دافوس

GMT 08:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تعرض الفنان عبد العزيز مخيون لوعكة صحية ونقله للمستشفى

GMT 09:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الطقس السيئ يودي بحياة بحياة شخصين في اليونان

GMT 09:37 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

GMT 09:40 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

صورة غلاف

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ساعر يدعو الاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري إرهابيا

GMT 09:21 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

هيفاء وهبي تدلي بأقوالها في بلاغها بفبركة فيديوهات خادشة

GMT 07:06 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

الأمم المتحدة تطالب إسرائيل بوقف هدم منشآت الأونروا

GMT 09:34 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab