في يوم قائظ

في يوم قائظ

في يوم قائظ

 العرب اليوم -

في يوم قائظ

بقلم : إنعام كجه جي

تتَّصل بي طبيبتي تسألني كيف أتعامل مع موجة القيظ التي تعمّ البلاد. لطفاء هم هؤلاء القوم. ينفّذون تعليمات الجهات الصحية الفرنسية بضرورة الاطمئنان على كبار السن. ففي موجة شهيرة عام 2003 ماتَ خمسةَ عشرَ ألفَ شخصٍ هنا من الحر. نعم رقم 15 وأمامه 3 أصفار. مسنّون وحيدون لم يجدوا من يسقيهم كأسَ ماء. ويحَ طبيبتي، هل تظنّ أنّني بلغت من العمر عتيّاً؟ أطمئنها، وأقول لها إنّني السمكة في مائها. نشأتُ في مدينة صيفُها جهنَّمُ.

أتفرَّج على الباريسيين وهم يبركون في السواقي، والنافورات. تتحوَّل الوجوهُ إلى شمندرٍ، وطماطم. يخرجون من جلودهم. يخلعون ملابسَهم ويحتفظون بورقة «التين». استعارة تعلمتها من قراءاتي الأولى في المجلات المصوّرة. أليست ورقة التين هي ما اعتاد رسامو الكاريكاتير أن يستروا به أمَّنا حواء؟

يشتكي المزارعون من فساد محاصيلهم. ضربت الشمس حقول القمح، ومزارع الأعناب. يقول السياسيون المعارضون إنه ذنب الحكومة. كان عليها أن تستعد للتغيرات المناخية. لماذا لم تتفاهم مع الشمس وتفاوضها على برمجة وهجها؟ تعلن مذيعة النشرة الجوية أن درجة الحرارة في بوردو، جنوب غرب، ستصل إلى الأربعين. يضع البوردويّون نبيذهم جانباً، صيت مدينتهم. ينتقلون إلى معاقرة المشروبات الغازية. في بلادنا كانت المذيعة تقرأ أن الدرجة القصوى خمس وأربعون فيسخر المستمعون قائلين: يعني خمساً وخمسين. لا أحد يُصدّق كلام الحكومة.

أقيم في الدائرة الثالثةَ عشرةَ من باريس. منطقة تناسب الطبقة المتوسطة. فيها عماراتٌ كثيرة مخصصة لذوي الدخل المحدود. عائلات من أصول مهاجرة لا تملك رفاهيةَ أجهزة التبريد. ينزل الآباء، في العصاري الساخنة، ليسرحوا مع أطفالهم في الحدائق العامة. يحتلون مصاطب الطريق. أنزل مثلهم لأتمشى هرباً من ترمب وهو يعيد موّال «للصبر حدود». أصل بولفار أراغو القريب الذي أخذ اسمه من عالم كان مديراً للأرصاد الجوية. بقعة سكنية جميلة تفتح النفس. كأنها كرّادة بغداد أيام عزّها.

هنا، في ركن من هذه الجادة، تم تنفيذ آخر عقوبات الإعدام بالمقصلة. استمرت شفرات الحديد تقطع الأعناق حتى بدايات القرن العشرين. أرصفة نظيفة، ومقاهٍ، وأشجار، ومقاصل؟ سبحان من يجمع الشتيتين. بالأحرى الأشتات. وهنا أيضاً، على شمرة حجر، يقع سجن «لا سونتيه» الشهير. استضاف مؤخراً الرئيس ساركوزي. وكان من عيون نزلائه الشاعر أبولينير، والمجرم الشهير جاك مسرين، وكارلوس. صفة هذا الأخير الإرهابي، لكنه يصرّ على أنه مقاتل من أجل الحرية.

سجن من العصور الوسطى، بجدران حجرية عتيقة، هو الوحيد في داخل العاصمة. على رصيفه ترى قطعة حديدية جاثمة بأبهة. إنها، حاشا السامعين، أقدم مكان للتبول في باريس. أسير على الرصيف وأسمع صرخات المحتجزين يتبادلون الكلام عبر النوافذ. يلوّحون بالمناديل. من زنزانة في اليمين إلى أخرى في أقصى اليسار. أفهمهم لأنهم يتكلمون لغتنا. أتذكر، متأسيّة، أن ربع نزلاء السجون في فرنسا من العرب. أبتسم لشمس مايو (أيار). لنعمة الحرية.

arabstoday

GMT 06:05 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

أضاليل إسرائيل والأضاليل عنها

GMT 05:33 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

في انتظار صافرة البداية ووقف الحروب

GMT 05:30 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

سجالات الموسيقى والأسبقيّة الفكرية

GMT 05:19 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

بلير... محاولة لإنقاذ حزب العمال

GMT 03:33 2026 السبت ,30 أيار / مايو

أمريكا وخطايا ترامب

GMT 03:31 2026 السبت ,30 أيار / مايو

قضية المناخ المنسية

GMT 03:29 2026 السبت ,30 أيار / مايو

طاقية الإخفاء ؟!

GMT 03:26 2026 السبت ,30 أيار / مايو

التنافس الاستراتيجي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في يوم قائظ في يوم قائظ



يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab