اعتادت صحافة «فليت ستريت»، بتسميته التاريخية، تسمية الصيف «موسم السخافات»؛ فمع دخول البرلمان عطلته الصيفية، واختفاء الوزراء في إجازاتهم، كان مراسلو اللوبي يغتنمون بدورهم فرصة الراحة، فتضطر الصحف إلى ملء المساحات بالغرائب التي منحت الموسم اسمه. واليوم تبدلت الحال، وشاع بين مراسلي وستمنستر تعبير: «لا راحة للأشرار».
فالأعوام الأخيرة حملت في الصيف انتخابات عامة، وصراعات على الزعامة، واستقالات لرؤساء حكومات، وحروباً خارجية، وأزمات اقتصادية ودستورية. ولا يزال قدماء مراسلي اللوبي يذكرون أغسطس (آب) شهراً هادئاً، يغتنم فيه المراسل السياسي الفرصة لقضاء إجازته مع أسرته. اليوم أصبح العكس هو الصحيح.
فالحكومة لا تدخل عطلة صيفية، بينما يغفو البرلمان، وتغيب في نومه الرقابة التي تتطلبها الديمقراطية البرلمانية.
العطلة البرلمانية تقليد قديم؛ فالنواب يحتاجون إلى الراحة، كما أن أعمال دوائرهم لا تتوقف. لكن السلطة التنفيذية تعلمت، في عصر الأخبار المتصلة والتلفزيون ومواقع التواصل والمناسبات الوزارية المعدة بعناية، كيف تستغل الفواصل الطويلة التي تغيب خلالها المساءلة البرلمانية.
كان البرلمان في الماضي هو الجمهور الأول للحكومة. يعلن الوزراء سياساتهم في مجلس العموم، فتواجههم المعارضة في الحال. وفي شرفة الصحافة كان مراسلو اللوبي يستمعون، ثم يدققون رواية الحكومة عبر مصادرهم السياسية، قبل تفسير أحداث اليوم لصحف المساء وطبعات اليوم التالي. وكانت شرفات العامة تمتلئ بمن جاءوا لسماع مناقشات تمس حياتهم.
كان البرلمان أولاً، ثم تأتي الصحافة من بعده. أما اليوم فيبدو أن الترتيب انعكس.
دخول التلفزيون، البرلمان غيّر طبيعة العلاقة. ولم يعد السياسي يخاطب زملاءه في المجلس فحسب، بل ملايين المشاهدين. وأصبحت الصورة والعبارة المقتضبة تنافسان الحجة البرلمانية. لكن العملية لم تتوقف عند هذا الحد.
فالوزراء يعلنون اليوم سياساتهم في مواقع خارج البرلمان، وتصبح الخلفية المختارة بعناية جزءاً من الرسالة، قبل أن تنقلها الكاميرات والمقاطع القصيرة إلى الناس، وقبل أن تتاح للنواب فرصة مساءلة الوزير عند صندوق المراسم (Despatch Box).
لم يعد رئيس الوزراء يتحدث إلى الأمة عن طريق البرلمان، بل صار، على نحو متزايد، يتحدث إلى الأمة من فوق البرلمان.
ولا يقتصر ذلك على السير كير ستارمر؛ فحتى انتقال السلطة إلى أندي بيرنهام جرى خارج البرلمان، في دلالة على مدى ابتعاد مركز السلطة السياسية عن المجلس. لقد أصبح ذلك أسلوب العمل في السياسة الحديثة.
وتعلم الوزراء وزعماء المعارضة وقادة الأحزاب أن الجمهور الأثمن لم يعد بالضرورة مجلس العموم، بل مشاهد التلفزيون، أو حامل تليفون الجيب. وأصبحت المعركة السياسية تدار من خلال زيارات معدة، وإعلانات مضبوطة، ومقاطع قصيرة، أكثر مما تدار في المناقشات البرلمانية. ولم يعد المجلس دائماً هو الجمهور الأول.
ولا يعني ذلك امتناع الوزراء عن مخاطبة الناس مباشرة؛ فمن واجب الحكومات أن تشرح سياساتها. إنما السؤال هو: هل ينبغي أن يسمع البرلمان القرارات المهمة أولاً؟
وقد ضاق رئيس مجلس العموم، السير ليندسي هويل، مراراً بالوزراء، بمن فيهم رؤساء الحكومات، الذين يعلنون السياسات الكبرى خارج المجلس قبل عرضها على النواب. وتوبيخاته العلنية ليست دفاعاً عن تقاليد وستمنستر أو عن كرامة النواب، بل عن مبدأ دستوري أساسه أن الوزراء مسؤولون أولاً أمام البرلمان المنتخب، وأن للنواب حق مساءلتهم ومناقشتهم قبل أن تتحول مبادرات الحكومة إلى مواد للتسويق السياسي.
لكن البرلمان يتحول تدريجياً إلى جمهور بين جماهير متعددة، وأحياناً لا يكون حتى أولها، خصوصاً في العطلة الصيفية. فلا أسئلة لرئيس الوزراء، واللجان البرلمانية متوقفة، وتقل إحاطات اللوبي في داونينغ ستريت إلى مرة واحدة أسبوعياً. وتواصل الحكومة عملها، بينما تتناقص الرقابة الديمقراطية.
ولا تنتهي الفجوة بنهاية العطلة الصيفية؛ إذ تعقبها مؤتمرات الأحزاب، فلا تستعيد الرقابة البرلمانية إيقاعها الكامل إلا بعد أسابيع طويلة.
وهذا أمر ينبغي أن يقلق الجميع، بصرف النظر عن الحزب.
فالمسألة لا تقتصر على الحكومة العمالية، بل تشمل المحافظين أيضاً؛ لأنها تحول تدريجي في ميزان القوة بين السلطة التنفيذية والبرلمان والسلطة الرابعة. وتسعى الحكومات إلى مخاطبة الناخبين مباشرة، متجاوزة النقاش البرلماني، وكذلك الدور التقليدي لمراسلي اللوبي في تفسير ما يجري داخل وستمنستر، لا مجرد نقل الرسائل الوزارية.
قد يبدو الاتصال المباشر أكثر ديمقراطية عندما يخاطب الزعيم السياسي الناس بلا وسيط. لكن الاتصال ليس هو المساءلة؛ فالكاميرا تسجل ما يختار الوزير أن يقوله؛ أما البرلمان فيطالبه بالإجابة عن الأسئلة التي يفضل تجنبها.
ولا تقوى الديمقراطية عندما تتاح للسلطة التنفيذية فترات طويلة من الرقابة المحدودة. وقد يرحب الوزراء بحرية الحكم بلا مقاطعة، لكن البرلمان وجد تحديداً لكي يقاطعهم. وهنا تتضاعف أهمية السلطة الرابعة في مساءلة السلطة التنفيذية، كلما غابت الرقابة البرلمانية.